الصورة التي لم نخترها
عن التعب، وعن أن تُرى، وعن المسافة بينهما
نُشر هذا المقال بالإنجليزية في الأصل، عن قصد. كان ردّاً على منشور ليندسي غراهام، وأردتُ أن أردّ باللغة ذاتها التي بُنيت بها الصورة. هذه هي الترجمة العربية.
كنتُ أتصفّح تويتر ليلة أمس حين وقعت عيني على منشور ليندسي غراهام.
لن أكذب عليكم، كانت ردّة فعلي الأولى أن أردّ. أن أُعيد النشر وأُضيف رأيي إلى الكومة كما يفعل الجميع. لكنني لم أفعل. عرفتُ أنني لا أريد أن أكون مجرّد ردّة فعل عابرة في شريط أحدهم. فأغلقتُ التطبيق وجلستُ مع ما أشعر به. وفي الصباح بدأتُ أكتب، لأن الشعور لم يذهب إلى أي مكان، وكنتُ بحاجة إلى أن أضعه في مكانٍ ما.
بصراحة؟ أنا متعبة. أظن أن هذه هي نقطة البداية الصادقة. أنا متعبة تعباً يتجاوز الكلام. ألستم كذلك؟
لأن الحقيقة المؤلمة أن غراهام ليس استثناءً. هو فقط الأحدث في طابور طويل. لا نخدع أنفسنا، هناك جيل كامل من صنّاع القرار الغربيين لا يملكون عن منطقتنا سوى صورة واحدة، لم تُحدَّث منذ الحرب الباردة. الصراع هو كل ما يرونه، وكل ما يُجيدون الحديث عنه. فكرة أن الناس هنا قد يريدون سلاماً، قد تكون لديهم إرادتهم الخاصة، قد يتّخذون قرارات لا علاقة لها بواشنطن، كل هذا لا يدخل حساباتهم، لأنه لا يتّسق مع السيناريو الذي يردّدونه لأنفسهم منذ عقود.
الصورة الوحيدة التي يحملها شخص مثل غراهام عنّا هي الدمار. كأن فيلماً قديماً عن حرب في الشرق الأوسط لا يزال يدور في رأسه، ولم يخطر له يوماً أن يُغيّر القناة.
لكن منشوره ليس ما أحاول الكتابة عنه حقاً. ما يشغلني أكثر هو ما حرّكه في داخلي. لأنه حين تصبح عدسة الصراع وحده هي الطريقة التلقائية التي يُرى بها إقليم بأكمله، لا من السياسيين فحسب، بل من الناس العاديين، من الجميع، يبدأ شيء قبيح فعلاً بالتشكّل.
فكّروا في أكثر الصور انتشاراً من المنطقة خلال العقود الأخيرة. دخان خلف خطوط الأفق. أطفال يغطّيهم الغبار. عائلات على جوانب الطرقات تحمل كل ما تملك. هذه الصور حقيقية، والمعاناة حقيقية، ولستُ أشكّك في ذلك. لكنها ليست الصورة الكاملة. وحين تصبح هي الصورة الوحيدة، تتوقّف المنطقة عن أن تكون مكاناً يعيش فيه بشر عاديون. تتوقّف عن أن تكون زحام مرور ومقاهي وأمسيات رتيبة. تتحوّل إلى حالة. إلى منطقة أزمة دائمة. لم يسألنا أحد إن كنّا نريد أن نُرى على هذا النحو. الأمر حدث ببطء، ثم تلتفت يوماً فلا تجد سواها.
ثمّة شيء كتبه جون بيرجر أعود إليه كلما اشتغلت على هذه المواضيع، عن أن طريقة رؤيتنا للأشياء تتشكّل مما نعرفه ونعتقده مسبقاً. كان يتحدّث عن اللوحات، لكن المبدأ واحد. إن كنتَ مؤمناً سلفاً بأن هذه المنطقة منطقة حرب، فكل صورة جديدة لمبنى مُدمَّر لا تفعل سوى أن تؤكّد لك ما قرّرته مسبقاً. أنتَ لا ترى ما هو موجود. أنتَ ترى ما كنتَ قد قرّرت أنه موجود. والحلقة لا تتوقّف.
وما يجعل الأمر محبطاً أن ليس هناك صورة واحدة كاذبة بحدّ ذاتها. كل صورة حقيقية. التشويه ليس في أي إطار بعينه، التشويه فيما يغيب. ملايين الأيام العادية التي لم تكن دراماتيكية بما يكفي لتُصوَّر. الحياة العادية لا تجذب الانتباه. فهي ببساطة... لا تُوجد.
وحين تُبنى هذه الصورة، فحاولوا تفكيكها إن استطعتم. لا تبدو مصنوعة. تبدو وكأنها الحقيقة ذاتها. هكذا يستطيع غراهام أن يتحدّث عن الرياض أو الدوحة أو بيروت كأنها حجر شطرنج لا مدينة يسكنها بشر حقيقيون. الناس الذين يعيشون في هذه المدن لم يكونوا يوماً داخل الكادر.
ثمّة شيء أصعب أريد أن أقوله، وقد تردّدتُ طويلاً في إدراجه. لكن في لحظة ما، صور الدمار القادمة من هذه المنطقة صارت... شبه جميلة. لا الدمار نفسه بالطبع. لكن الطريقة التي يُصوَّر بها. التصوير الحربي من مدن المنطقة فاز بأكبر الجوائز الصحفية في العالم. والأمر يقترب من السخرية إن فكّرتَ فيه ملياً. طريقة تأطير الأنقاض. كيف يمسك الغبار بالضوء. صارت هناك لغة بصرية كاملة لهذا.
وحين تُشارَك هذه الصور، ثم تُشارَك مرة أخرى، وتفوز بجوائز، وتصبح صوراً أرشيفية وصوراً مصغّرة، وتُلهم سلسلة أفلام بأكملها، تتوقّف الصورة عن كونها توثيقاً لأسوأ يوم في حياة إنسان. تصبح محتوى يُستهلَك ويُستمتَع به. المعاناة تذوب، ولا يبقى سوى الشكل.
تصفّحوا ما ينتشر حين تُذكر المنطقة. لن تجدوا السياق يوماً. لن تجدوا الـ”لماذا”، ولا السياسة الفعلية لما يحدث. ستجدون سحابة الغبار السينمائية. لقطة الطائرة المسيّرة للحي المسوّى بالأرض. منصّات الأخبار ووسائل التواصل كلها أدركت أن الحرب في الشرق الأوسط تحقّق مشاهدات حين تبدو بشكل معيّن. ومع كل صراع جديد، المشهد ذاته. مدينة أخرى، شريط أنقاض آخر. السياق يتغيّر لكن الشكل لا يتغيّر.
سوزان سونتاغ في كتابها عن صور التعذيب قالت هذا أفضل مما أستطيع. الفكرة الجوهرية أن صور المعاناة ليست محايدة. هي تخلق علاقة سُلطة. من يُمسك الكاميرا، من يُشارك الصورة، يملك القوة. أما الشخص داخل الصورة فلا يملكها. وحين تتكرّر هذه الديناميكية عبر إقليم بأكمله لعقود، تصبح هي الوضع الطبيعي. تظن أنك تعرف مكاناً لأنك رأيت صوره. لا تحتاج أبداً أن تُنصت لأحد يعيش هناك.
وترى فنّانين من المنطقة يشتغلون على هذه الصور ذاتها، يحاولون استعادتها، إعادة تأطيرها. وأنا أحترم ذلك. لكن جزءاً مني لا يزال يتساءل: إن كان العالم ينتظر منك الخراب، وصنعتَ فنّاً من الخراب، هل غيّرتَ شيئاً فعلاً؟ أم أنك صرت بارعاً في العمل داخل إطار رسمه غيرك؟ أتأرجح في هذا السؤال... لا أملك جواباً.
لكن في المحصلة، من يتحكّم بالتمثيل يتحكّم بالفهم. وصورة هذه المنطقة في المخيّلة الغربية بُنيت من دون مشاركة الذين يعيشون فيها فعلاً. التمثيل سبق الواقع بأشواط. غراهام لا يحتاج أن يعرف مدننا، ولن يعرفها يوماً. الصورة التي في رأسه تكفيه.
كتاب جاك شاهين Reel Bad Arabs لا يفارق مكتبي. العنوان تلاعب بكلمة reel، أي بكرة الفيلم. إن لم تقرؤوه، اقرؤوه. أكثر من ألف فيلم هوليوودي موثّق. الكمّ الهائل من المحتوى، عقود منه، كلّه يعمل على بناء فكرة واحدة محدّدة عمّن نكون. لم يكن صدفة. ونجح.
هذا ما يؤلمني. ليس صورة بعينها. الحجم. يحدث منذ زمن طويل حتى صار جزءاً من الهواء الذي نتنفّسه.
لكن بصراحة؟ ما يشغلني فعلاً ليس غراهام ولا العالم الخارجي. بل نحن.
هل لاحظتم ذلك؟ كلما حاولتُ فتح هذا الحوار، حوار عمّا تفعله هذه الصور فينا حقاً، لا يبقى هناك. يتحوّل إلى مواقف ومعسكرات. مَن مع مَن. وأنا أفهم، فالرهانات حقيقية. لكن كيف يبدو أن تكبر وأنتَ لا تُرى إلا من خلال الأزمة؟ هذا السؤال لا يحظى أبداً بالمساحة التي يستحقها، لأن هناك دائماً ما هو أكثر إلحاحاً.
ثمّة غضب كثير بيننا. وأنا أفهمه. لكن بصراحة، الإعلام تسلّل إلى رؤوسنا. الآراء تتصلّب. والمحتوى المرئي يُستخدَم كبرهان. “انظر هنا. شاهد هذا. انظر هناك.” كأن صورة تحسم نقاشاً. كأن الصورة هي الفهم ذاته. وننتهي بأن نرمي الصور على بعضنا بالطريقة ذاتها التي رُميَت بها علينا. اللغة نفسها. الآلية نفسها.
أحسّه في نفسي أيضاً. الغضب. وهو ليس خاطئاً. الإمبريالية والاستعمار وكل ما كتب عنه إدوارد سعيد، لا شيء من ذلك رحل حقاً. لكنني لاحظتُ شيئاً في داخلي، وهو أن الغضب لا يأخذني دائماً إلى مكان نافع. أحياناً يلفّ ويدور فقط. أنفعل، أشعر، أنفعل مرة أخرى، وأجدني واقفة في المكان ذاته. لا أقول لأحد كيف يشعر. لكنني أعرف أنني شخصياً صرتُ أسأل نفسي: هل هذه الدوّامة تقرّبني من شيء، أم أنها فقط تبقيني أدور في مكاني؟
وأعرف ما سيُقال. حين يعاني ناس فعلاً، من أنا لأجلس في برلين وأتحدّث عن “الهوية البصرية”؟ أنا آمنة. أملك امتيازات. هذا صحيح ولن أتظاهر بخلافه. لكنني أظن أن إسقاط هذا الحوار لهذا السبب هو أيضاً فخّ. لأن العجز حتى عن النظر فيما فعلته عقود من هذه الصور فينا، من الداخل، هذا بحدّ ذاته منتَج من تلك العقود. الأزمة لا تدمّر أماكن فحسب. إنها تلتهم المساحة المتاحة للتفكير في أي شيء آخر.
طفولتي كانت عادية. هادئة بالشكل الذي ينبغي للطفولات أن تكون عليه. لكن الصورة التي لاحقتني حول العالم لم تأتِ من حياتي. جاءت من هذه الفكرة المسطّحة عن “الشرق الأوسط” التي لا تفرّق بين بلد وآخر، ولا بين سياق وسياق، ولا بين ملايين الحيوات العادية التي تجري في كل ركن من المنطقة. تلتقي بشخص في الخارج فترى وجهه يتغيّر حين يسمع من أين أنت. يُطلب منك أن تشرح شيئاً عن مكان لم تزُره في حياتك، كأن المنطقة بأسرها مكان واحد. كل واحدة من هذه اللحظات صغيرة بمفردها. لكنها تتراكم.
أعيش خارج المنطقة منذ أكثر من عشر سنوات. وخلال هذه السنوات، بدأتُ أستوعب ببطء كم هذه الصورة مشوَّهة. كم هي مدمِّرة. وكم تعزل، لا بالطريقة التي تتخيّلونها. تعزلك عن الآخرين لأنك، كعربي في الغربة، تبدأ بالشعور أنك الوحيد العاقل في الغرفة وأن كل من حولك فقدوا صوابهم. لكنهم لم يفقدوا صوابهم. هم فقط يشاهدون كل هذه الصور عنك، كل هذه الأفلام، كل هذه الاقتباسات والعناوين، طوال حياتهم. كيف لهم ألّا يصدّقوها؟ كيف لهم ألّا يبنوا هذا الانطباع؟ لا أستطيع حتى أن ألومهم. المشروع نجح. وشاهين وثّق لنا كل شيء.
وسأكون صريحة، كنتُ حادّة في الماضي. غاضبة. مستعدّة للمجادلة مع أي أحد يُخطئ. والحقيقة أنني لا زلتُ أقع في هذا الفخ الدفاعي أحياناً. لكنه لا يفعل شيئاً سوى أن يعزلني. أصبحتُ “العربية الغاضبة في الغرفة”، والمفارقة تكاد تكون مضحكة لولا أنها مُنهِكة، وهي بالضبط الصورة التي كنتُ أحاول محاربتها. ففي لحظة ما، توقّفت. لا لأنني توقّفتُ عن الاكتراث. بل لأنني أدركتُ أن الغضب وحده لم يكن يوصلني إلى أي مكان أريده.
لا زلتُ أؤمن بأنها مسؤولية كل شخص أن يثقّف نفسه. لكنني توصّلتُ أيضاً إلى أن الناس بحاجة إلى أن نمنحهم مساحة. يجب أن يكون هناك مكان للحوار أن يحدث فعلاً، ولا يمكننا ذلك إن كنّا مشتعلين طوال الوقت.
فتجد نفسك في النهاية تحمل نسختين من الوطن. النسخة الحقيقية، نسختك أنت، محدّدة وعادية ومليئة بتفاصيل لا تُثير أحداً. والنسخة التي في الشاشة. مسطّحة. مشتعلة. وتتعلّم أن تتنقّل بينهما. متى تصحّح الناس، ومتى تدع الأمر يمرّ. وبعد حين يبدأ ذلك بأن يبدو طبيعياً. وهذا ربما أكثر ما فيه من حزن.
فرانز فانون كتب عمّا يحدث حين تستبطن الصورة التي صُنعت عنك، كيف يبدأ العقل المُستعمَر برؤية نفسه بعيون المُستعمِر. السياق مختلف، لكنني أشعر بأنها الآلية ذاتها. حين تُمَثَّل بطريقة واحدة لفترة كافية، لا تكتفي بمحاربة الصورة. تبدأ بترتيب حياتك حولها. تُشكّل ما تعتقد أنه ممكن أصلاً.
وأظن أن هذا هو الجزء الذي لا نتحدّث عنه بما يكفي. نتحدّث عن الاستعمار باعتباره شيئاً يقع على الأرض. على الأراضي. على الموارد. لكن ثمّة نوع آخر، وأظن أنه يستحق أن يُسمّى. استعمار المخيّلة. حين تُبنى الصور والقصص والأطر التي تُعرّفك بالكامل من الخارج، وتتغلغل بعمق يجعل حتى من هم داخل الإطار يرون أنفسهم من خلاله، هذا ليس تمثيلاً سيّئاً. هذا شيء آخر. ولا يحتاج إلى جيوش. يحتاج فقط إلى كاميرات، وسيناريوهات، ووقت.
يذهب أعمق من طريقة رؤية الآخرين لنا. يُصيب ما نسمح لأنفسنا بالتفكير فيه. حين تكون القصة التلقائية عن المكان الذي أتيتَ منه هي الأزمة، يصبح تخيّل المستقبل عملاً يحتاج جهداً. عليك أن تتجاوز الدفاع المتواصل عمّا ليس عليه بلدك حتى تصل إلى ما يمكن أن يكونه. أظن أن هذه ربما أكبر تكلفة لكل هذا.
أعرف أن بعض الناس سيرون هذا سطحياً. أنك لا تستطيع الحديث عن النمو والناس تموت. أسمعهم. وربما هم محقّون. لكنني أعود دائماً إلى هذا الإحساس بأنه لا بدّ أن يكون هناك شيء على الجهة الأخرى من كل هذا. لا بديلاً عن الغضب، ولا بديلاً عن الوعي، بل إلى جانبهما. شيء نبنيه لا يكون مجرّد ردّ فعل على ما فُعل بنا. لا أعرف ماذا أسمّيه بالضبط. تحرير المخيّلة، ربما. لكنني أعرف أن هذه المنطقة تستحقّ الفرصة لأن تصنع شيئاً هو حقّها فعلاً.
لم أصل إلى حلول لأي من هذا، ولن أتظاهر بأنني أملك الأجوبة. في معظم الأيام أنا فقط أتأرجح بين الغضب والإنهاك، أحاول أن أعثر على الخط الفاصل بين المواجهة والتسليم. لا أملك أجوبة. لكنني لا أريد أن أقضي هذا العمر أحارب صورة. أريد أن أكون متعبة بصوت عالٍ من دون أن أضطرّ لتمثيل القوة كلما ظهرت منطقتي في جملة أحدهم. أريد المساحة لأفكّر في شيء آخر. أريد ذلك لنا جميعاً.
أنا متعبة. حقاً. تعباً لا حدود له.
هذا الفيلم القديم اشتغل لفترة كافية ويجب أن يتوقّف.



