الأخضر هو الأخضر
عن متفرجة لا تفهم كرة القدم، وعن صور 1994م التي فهمتها
أعترف من البداية لست من أهل كرة القدم، ولم أكن يوما. قد أجلس أمام مباراة وأخرج منها بملاحظات عن الجمهور وعن ذلك المشهد الغريب والذي يبدوا يحدث كثيرا: تجمهر الرجال حول الحكم محتجين.
أما زوجي فحكايته مع الكرة حكاية أخرى. فهي لست فقط تسلية، بل تقويم للعام، ومزاج وإرث عائلي. وهكذا، شيئا فشيئا ومن غير قصد، صرت أشاهد معه. بصراحة، لا أشاهد بتركيز كامل فنصفي عادة في مكان آخر، مع جوالي أو في عمل معين لكن بحضور يكفي لألاحظ ما لم أتوقعه: أن في تمني الفوز لفريق ما فرحا حقيقيا. أنفاس الآلاف تحبس دفعة واحدة، ثم تلك الفرحة الصادقة. هدف لا ناقة لي فيه ولا جمل، فإذا به يعنيني كأنه لي وحدي.
هكذا يصل معظمنا إلى كرة القدم في الغالب: لا من باب اللعبة، بل من باب من يحبها.
ولزوجي مزحة واحدة لا تظهر إلا حين تكون الكرة حاضرة: 2002م، سابورو، ألمانيا ثمانية والسعودية صفر. يقولها بخفة من يعرف أنها تضحكني أنا أيضا، وتضحكني فعلا. ثم جاء رزق الله بلوسيل: فزنا على الأرجنتين، وتعادلت الكفة في بيتنا. يعني…
عموما، اعترف إني في ذلك اليوم... بكيت كثيرا. لن أنسى أبدا تلك الموجة من الفرح والفخر لحظة الهدف الثاني: شعرت بلد بأكمله يفرح من خلف شاشة. تسعون دقيقة شعرت وكأنني في المملكة، بلا أدنى شك. لم يكن للأمر منطق، وما كان يحتاج إلى منطق.

كرة القدم لعبة. وتبين لي في هذه السنوات أنها جمهور أيضا (ربما استيعاب بطيء مني)، وربما قبل أن تكون لعبة. سموني مبتدئة إن شئتم، لكن هذا ما صرت أبحث عنه في المقاطع: لا الأهداف، بل الناس؛ الوجوه في المدرجات في الثانية التي تسبق الهدف والثانية التي تليه. الجمهور هو الصوت، وما جرى قبل أربع سنوات كان جمهورا يؤمن من كل قلبه: بالفريق أولا، وبطاقة بلد في منتصف تحوله. آمنوا، حتى وقع ما ظنه العالم مستحيلا. هذا الإيمان هو ما جعل المشهد بذلك الجمال.
وها هو كأس العالم يعود، وأجدني متحمسة… أريد أن أتابعه، وبفضول حقيقي هذه المرة. نلاقي أوروغواي ليلة الاثنين؛ وحين تنطلق الصافرة في ميامي يكون منتصف الليل قد حل في برلين.
وبدافع الفضول عدت أبحث عن البداية: كأس العالم الأولى لنا. واكتشفت أن البداية كانت هي الذروة أيضا: أمريكا 1994م، أول بطولة نشارك فيها. تجاوزنا دور المجموعات وبلغنا دور الستة عشر. وهناك هدف سعيد العويران في مرمى بلجيكا، الذي يعاد بثه كل أربع سنوات: رجل يقطع نصف الملعب ركضا وكأنه قرر ببساطة أن المدافعين غير موجودين. أعدت مشاهدته هذا الأسبوع، وشعرت بقشعريرة. فما بشعور من شاهدوا المباراة؟

ثم فعلت ما أفعله دائما: عدت إلى الصور. لصور 1994 ملمس خاص: حبيبات أفلام التسعينات، والقمصان الخضراء تكاد تتوهج في ضوء الصيف الأمريكي، ومدرجات مليئة بوجوه تتفرج علينا ونحن نتفرج على أنفسنا نصل إلى مسرح العالم أول مرة. وصور المنتخبات ليست مجرد تصوير رياضي؛ إنها صورة بلد يقرر كيف يحب أن يرى.


وهذا ما لا أتوقف عن التفكير فيه: 1994م أقيمت في الولايات المتحدة، 2026م تقام في الولايات المتحدة. اثنان وثلاثون عاما، وتنغلق الدائرة عند النقطة التي بدأت منها. الصبية الذين شاهدوا العويران يركض صاروا آباء يشاهدون مع أبنائهم، والبلد الذي في الصور صار في كثير من معانيه بلدا آخر. لكن الأخضر هو الأخضر.
لا أعرف ما الذي ينتظرنا هذه المرة؛ فالمجموعة لا ترحم . أوروغواي ثم إسبانيا. لكن الله رحيم، وتعلمت من زوجي أن النتيجة ليست كل شيء؛ المهم هو التمني نفسه. صافرة منتصف الليل، والأنفاس المحبوسة، وراية انتماء لم أعلم أنني أحملها حتى طلبت مني تسعون دقيقة أن أرفعها.
ومع ذلك لا أطلب الكثير: حسبنا ألا نخسر المباراة الأولى على الأقل، وإن عادت إلينا روح لوسيل فأهلا وسهلا بها. وبما إنه يوم فضيل، فلا يسعني إلا أن أختمها بدعاء: اللهم اجعلنا من الفائزين.
بإذن الله ليلة الاثنين سأكون أمام الشاشة بكامل تركيزي. وبإذن الله ننتصر.
كل الصور التي رأيتموها هنا مرخصة — اشتريت كل واحدة منها من أرشيفات الوكالات، بأسماء مصوريها وحقوقهم. هكذا تبقى الصورة قانونية، ويبقى من التقطها مذكورا. ولهذا السبب سيقفل هذا المنشور بعد أسبوع ويصبح متاحا للمشتركين فقط. إن كان هذا النوع من الكتابة يعنيكم وأحببتم دعمه، فاشتراككم المدفوع يساعدني على شراء تراخيص أكثر، وكلما زادت التراخيص، زادت الصور التي أستطيع أن اشاركها معكم.
شاكرة لكم دعمكم الدائم.






😍🤍💚💚
تقرير ومنشور حلو 💚 أنتي طال عمرك ضبطي دلة شاي ع كيف كيفك 😂 وأتركي الباقي لنا 💚🇸🇦⚽️🎊🎉