الحياة والموت
بقلم محمد عبدالله المهنا اباالخيل - رحمه الله-
ما زلت أُقلّب أشياءه، في كل ما تركه. الحزن يأتي بطرق غريبة أحياناً. هذا الأسبوع، جاءني في هيئة قصة كتبها. اعتقد انه كتبها لنا دون أن يعلم بأننا بعد سنين سنقرأها. أعترف أنني بكيت. كان الأمر كما لو أن أبي يحدّثني، يروي لي القصة بنفسه. وجدتُ فيه عزاءً. كلماته تحيا بعده… كتب هذه القصة سنة 2009م.
أردت أن أُشارككم هذه القطعة من أبي. قصة الحياة والموت. قصة سمعها، فدوّنها..
الله يرحمك يابوعبدالله… وشكراً على القصة.
لي صديق أمريكي أحرص على لقائه مرةً كل سنة حين أقضي إجازتي في الولايات المتحدة. كان يسكن سان دييغو، فكنت أسافر إليه من سان فرانسيسكو. هذه السنة، وبعد أن استقر في ميامي، أصرّ هو أن يحضر لزيارتي.
ونحن على مائدة العشاء، تطرّق بنا الحديث إلى فقدان الأحباب والتعامل مع الحزن العميق، فقال:
“منذ ثلاث سنوات، كنت في رحلة عمل لمدينة فينكس بأريزونا. بعد الهبوط، وصلتني رسالة قصيرة تفيد بوفاة صديق عزيز، فتملّكني الحزن وبدت ملامحي تعبّر عنه. عند خروجي من المطار، كان في انتظاري جعفر، الذي قدمت لزيارته. علاقتي به تعود لأربع سنوات، حيث نعمل سوياً على تطوير نظام إلكتروني لتتبع الموجودات. جعفر هندي هاجر إلى الولايات المتحدة منذ عشرين عاماً.
نظر في وجهي:
— أأنت مريض؟ ما كان عليك أن تأتي وأنت بهذه الحال.
— لست مريضاً، ولكن وردتني أخبار سيئة بمجرد وصولي. توفي صديق عزيز عليّ.
رمقني بنظرة حانية:
— أنا آسف لفقدك. هل أنت جائع؟ سآخذك لمطعم حميم، لعله يسلّيك.
وبعدما ركبنا السيارة قال لي:
— مايكل، سأذكر لك قصة لم تعرفها بعد، هي قصتي أنا مع الحياة والموت.
فأردف:
— قبل أن أقدم لهذه البلاد، مررت في الهند بتجربة فقدٍ عظيمة، تملّكني فيها حزن عميق سيطر على عقلي وفكري لفترة طويلة. كما تعلم، في الهند معظم الزواج، وخصوصاً في المناطق الريفية، يتم من خلال ترتيبات الأهل. عندما كنت أدرس في IIT Bombay، خطب والداي بنت أحد كبار المزارعين في قريتنا القريبة من حيدر آباد لتكون زوجة لي. بعد التخرّج تزوجتها وانتقلنا للعيش في بنغالور حيث حصلت على وظيفة.
نمت بيننا مودة وحب. كنت أحقق نجاحاً في وظيفتي وأعمل ساعات طويلة، فكثيراً ما أعود للمنزل بعد العاشرة ليلاً فأجدها تنتظرني للعشاء. لم تكن تتذمر.
رُزقنا بطفلة بعد زواجنا بسنتين. ومع انشغالي بالعمل وانشغالها بطفلتنا، لم يكن لدينا وقت كثير للتعبير عما يكنّه أحدنا للآخر. بات مشروعي يتأخر، فاقترحت عليها أن تأخذ الطفلة وتسافر لقريتنا، فهي لم تزر أهلها منذ أكثر من عام. فوافقت بدون تردد.
حجزت لها مقعداً في القطار المتجه لحيدر آباد. وكان عليها أن تستقل الحافلة ثلاث ساعات لتصل إلى قريتنا، فاتصلت بأهلي ليرتبوا استقبالها، فأرسلوا أخي الصغير...
توقف عن الحديث، وبرزت عيناه تلمعان. تجمّد في نظره للطريق كمن ينظر إلى مشهد مؤلم. وضعت يدي على ساعده:
— جعفر، هل أنت على ما يرام؟
— أستجمع ذاكرتي.
ثم نزلت دمعةٌ على وجنته سرعان ما مسحها:
— شبّ حريق في تلك الحافلة عند اصطدامها بشاحنة محملة بالكيروسين. فقدت زوجتي وبنتي وأخي الصغير في ذلك الحادث.
ثم عاد لإكمال قصته:
— طار عقلي، وتملّكني الغضب على كل شيء: نفسي، عملي، أهلي. مكثت في القرية بضعة أسابيع، لا أشعر برغبة في شيء سوى التسكع بين الحقول، ثم أعود منهكاً لأنام. كنت لا أحب أن يُذكر أي شيء عن زوجتي وبنتي، ولا أنظر للصور، بل أُصمت من يتحدث عن أي شيء يقود لذكرهما، حتى بات أهل القرية يتحاشون الحديث معي.
عدت إلى بنغالور ولم أذهب لمنزلي خوفاً من الذكرى، وطلبت من الشركة نقلي. فنُقلت إلى مصنع في مدينة بُونا. وجدت في عملي الجديد ملاذاً، فكنت أقضي الساعات الطوال فيه — وهذا سرّ بروزي في مجال هندسة الرادارات. أصبح العمل هو حياتي، وانقطعت عن زيارة أهلي قرابة السنتين.
نمت علاقة صداقة مع أحد الزملاء، كان كثيراً ما يدعوني لمنزله فأعتذر. وذات يوم في الكافتيريا قال لي:
— يا جعفر، كل الزملاء يعتقدون أنك رجل طيب، ولكن غموضك يريبهم. أنا أقربهم لك، ومع ذلك لا أعرف عنك إلا اسمك. ألديك عائلة؟
نظرت إليه بغضب:
— اصمت!
ثم انطلقت هارباً عائداً لعملي. توالت محاولاته وهروبي، حتى حاصرني ذات يوم:
— أنت تتهرب من حقيقة في حياتك، ولن أدعك حتى أعرفها.
ساعتها داهمتني قشعريرة شلّت جسدي، ثم انتابني بكاء شديد، فخارت رجلاي وسقطت على الأرض. كنت واعياً لما يحدث، ولكن البكاء استولى عليّ. سحبت نفسي نحو زاوية الغرفة وسط ذهول العاملين. ظنّ الجميع أن بي مساً من الجنون، ولكن صاحبي كان يدرك أن ثمة أمراً عظيماً في نفسي.
بعد ذلك الحادث، أفضيت له بقصتي. وفي ذات يوم قال لي:
— أريدك أن تذهب معي لزيارة حكيم معتكف في أحد الجبال القريبة.
انطلقنا فجر الأحد. تسلقنا الجبل ساعتين حتى وصلنا. استقبلنا الحكيم ودعانا للجلوس متربعَين، ثم نظر إليّ:
— يا جعفر، أأتعبك تسلق الجبل؟
— قليلاً، لم أعتد ذلك.
غاب بين الأشجار، ثم عاد وفي يده عصاً غليظة معلّق بها بعض الحاجيات:
— هناك لكل واحد منكم عصاً مثلها. سنصعد الجبل حتى قمته، فاتبعاني.
همست لصاحبي:
— لقد أُجهدنا حتى وصلنا، فما باله يطالبنا بالصعود أعلى؟
— لا بد أن له غاية من ذلك.
سار بنا الحكيم في ممرات ضيقة بين الأشجار. بعد أكثر من ساعة من الصمت، التفت إلينا وهو يرى الإجهاد في وجهينا:
— أُدرك أنكما تعبتما، ولكن الغاية لا زالت بعيدة. فإن شئتما تابعنا المسير، أو استرحنا قليلاً.
سبقني صاحبي بالقول:
— غايتنا صحبتك، فإن شئت أن تسير وإن شئت أن تستريح، فنحن نتبعك.
وبعد قليل، تقلّصت عضلات فخذي فجأة، فصرخت من الألم وجلست على الأرض. عندها وقف الحكيم:
— لقد وصلنا غايتنا الآن.
نظرت إليه باستغراب:
— ولكنك كنت تقول قبل قليل إن غايتنا لا زالت بعيدة!
ضحك الحكيم:
— الغاية يا جعفر ليست مكاناً ولا زماناً، الغاية هي انعدام القدرة أو الإشباع. لقد بلغتَ غايتك فلم تعد تحتمل صعوداً، وبلغتُ أنا غايتي حيث أشبعت رغبتي في إنهاكك.
تربّع في جلسته وطلب منا أن نقابله. أخرج كلٌ منا قدراً من خبزه وشرب قليلاً من الماء بصمت. وعندما فرغنا، قال موجهاً كلامه لي:
— جسد الإنسان مسكن روحه، فكلما كان المسكن جميلاً ونظيفاً وقوياً وصحيحاً، كان أسعد للروح. الروح تشقى في الجسد المريض والضعيف والقذر والبشع، وتشقى بالتعب، وبالغضب، وبالحقد، وبالحزن. والروح لا تحتمل الشقاء، فتهجر الجسد المريض ليموت، وتُكسِل الجسد الضعيف فيتوق للراحة، وتدفع بالحقد والغضب للاعتداء والتدمير لتتخلص من الهمّ.
ولكن ماذا تفعل الروح بالحزن، وهو من طبيعتها وحالٌ من حالها؟ الروح تهرب من شقاء الحزن بالنسيان، فتدفن الذكرى المحزنة تحت أكوام الذكريات الأخرى، وتحرس مدفنها بتجنّب ما يُثير تلك الذكريات. فإذا اسْتُثيرت رغماً عنها، اضطربت الروح في مسكنها، فتُجهد الجسد وتُمرضه، وتدفعه للحقد والغضب، ولا تستقر حتى تعود الذكرى لمدفنها.
روحك يا جعفر مضطربة، ولن تستطيع أن تعيش بتوازن ما لم تطوّع روحك على التعايش مع حزنك. أنتم المسلمون تؤمنون بالآخرة، ففيها يجتمع الأحبة بعد الفراق. هذا يبعث في الروح الأمل، ويساعدها على تحمّل شقاء الفراق. فكل ما تحتاجه هو أن تبعث حزنك ليتقد من جديد، ولكن في حضور ذلك الإيمان، فتجد الروح عزاءها.
كنت أستمع والخوف يعتريني، لقد دخل في تشريحه منطقة المحذور. أدرك ذلك حين رآني أتمتم وترتعد شفتاي، فقال مسترسلاً:
— لا بأس أن تعبّر عن حزنك، ولكن إياك أن تهرب. افعل كما صعدت الجبل رغماً عن إرهاقك. دع مشاعرك تتدفق بكرم. أنت بين الأشجار والجبال، حرّر روحك من قيد العقل، دعها تتأمل، دعها تحلم، ولكن إياك أن تسمح لها بدفن ذكرياتك. مشكلتك يا جعفر أنك لم تكن حاضراً عندما وقع الحادث، ولم ترَ بعينك ما جرى، فلم تقبل فقدانك، وهربت من الواقع بتصنّع النسيان. والآن عليك أن تستحضر الأحداث التي آلمتك، وفي كل مرة تقول في قرارة نفسك: لن أنسى. واستذكر ذكرياتك الجميلة مع زوجتك وطفلتك كلما تذكرت الحادث، واستشعر الأمل بلقائهم في الجنة.
كان لحديثه وقع السحر في نفسي. هدأت ثورتي، وشعرت بالراحة وكأن عبئاً ثقيلاً قد انزاح عني. ففرحت فرحاً غامراً، حتى قمت أرقص وأنا أردد: الحمد لله، الحمد لله. ثم أقبلت على الحكيم أُقبّل رأسه.
عُدته بعد ذلك مرات عديدة حتى توفي. وبعد ثلاث سنوات، قدمت إلى أمريكا للعمل لدى شركة جنرال ديناميكس، وتزوجت سلمى كما تعرف، ولم أعد أخاف من تذكّر زوجتي فاطمة وابنتي، بل إن لديّ في غرفة نومي صورة لهما.
بعدما خلص صديقي من قصته، نظر إليّ وفي عينه لمعان:
— أليست قصة عظيمة؟
قلت:
— بلى.



ولا شيء من كلام الدنيا يخفف ألم الفقد… إلا اليقين بوعد اللقاء.. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ).
شكراً على المشاركة.. ورحم الله والدكِ ووالدينا وجميع موتى المسلمين
رحمة الله على والدك والله يغفر لنا سخطنا على قدره سبحانه
الله يجبر قلبك وقلب كل من فقد أحبابه يارب