الصاروخ الذي فقأ عين القمر
مقال ضيف: لينة الشعلان
مسائكم خير وجمعة مباركة عليكم جميعاً!
قبل أسابيع، دار بيني وبين صديقتي الروائية لينة الشعلان حديث طويل عن الصورة وقدرتها على تشكيل الخيال. تحدثنا عن الفوتوغرافيا لا كوسيلة توثيق، بل كنافذة تفتح نحو العوالم التي لم توجد بعد. في تلك اللحظة، شعرت أن الحديث لا يجب أن يبقى بيننا فقط. قلت لها: “لماذا لا تكتبين عن هذا للمدوّنة؟ سيكون شرفًا لي، وأنا متأكدة أن الجميع سيقدّر ما لديك لتقولي عن الصورة.”
وهكذا وُلد النص.
يشرفني تقديم أول مقال ضيف في هذه المدوّنة.
أتمنى أن تستمتعوا بقراءته بقدر ما استمتعت به!
ولا تنسوا متابعة لينة والاطلاع على كتابها!
الصاروخ الذي فقأ عين القمر
في سنة 1902، صدر فيلم مدته 12 دقيقة في فرنسا بعنوان “رحلة إلى القمر”. تميز الفيلم بتعدد مشاهده التي تنوعت بين محكمة بشرية عامة، وسطح القمر وما تحته من عوالم فضائية، ثم أعماق البحار في الكرة الأرضية، وعودة إلى مرفأ الأمان في ميناء البشر. يعتبر هذا الفيلم بالرغم من قصر مدته من أوائل الأعمال الريادية المصنفة كـخيال علمي، والمفاجئ بالنسبة لي هو تشابه العناصر الممثلة فيه من تقنيات حديثة تجوب الفضاء والبحار وتتقصى حضارات فضائية في كواكب بعيدة، بذات العناصر في أفلام وقصص الخيال العلمي الصادرة اليوم.
الخيال العلمي كجنس أدبي قد سبق هذا الفيلم بما يقارب 100 سنة. رواية فرانكستاين الصادرة عام 1818 قد تكون من أوائل الروايات التي مزجت ما بين العلم والخيال، وفي ذلك تمثلت مخاوف الناس مما قد يؤول إليه التقدم التقني الملحوظ الذي استولى على حياة العامة في ذلك الوقت إثر الثورة الصناعية. الرواية لم تلق رواجاً يذكر حين صدرت، ولكن حين تم تحويلها لفيلم سينمائي في بدايات القرن العشرين تمكنت من صدم المشاهدين وقتها وطبعت بصمة ثقافية باقية إلى اليوم.
الكثير يعزو الشهرة التي نالتها قصة فرانكستاين إلى تصويرها بصرياً. فالصورة أبلغ من ألف كلمة، وأشد وقعاً في ذهن المتلقي. وفي نفس الوقت، يطرح سؤالاً عما توفره الصورة للمتلقي مقارنة بالنص؟ لعل في التصوير تمثيل لأكثر مما هو مصوَّر، تفاصيلاً تكمل خيال المتلقي وتثير فضوله أو ربما تشبعه. بالإضافة، في اختيارات المصور لما يضعه أمام العدسة وما يهمله خلفها قصة أخرى، تحكي عن حالة الزمان الذي التقطت فيه تلك اللحظة. والأمر ليس مجرد نقلاً للحقائق، مهما بدا ذلك للعين غير المتمرسة، ففي التصوير سردية تتغلغل في اللاوعي وتخاطب المشاعر قبل العقل.
لمَ انتشر ما انتشر في الوقت الذي انتشر فيه؟
أحد الأمثلة التي شدتني لتقصي سردية التصوير في كبسلة الحال البشرية، هي الحركة الروحانية التي انتشرت في نهايات القرن التاسع عشر على أعقاب الحرب الأهلية الأمريكية. مع فقدان الكثير من أحبابهم ضحية للحرب، برز فضول العامة حيال الماورائيات، دفعه رغبة الكثير بالتواصل مع من فُقد. زعم المصورون الفوتوغرافيون حينها بأنهم تمكنوا من التقاط صور أشباح المتوفين من ذوي الزبون، وعزز ذلك رغبة الزبون المستميتة للتواصل مع من حُجِب عن الحياة.
كانت الصور مقنعة إلى حد كبير، ولأن التصوير الفوتوغرافي كان في بداياته حينها ولم يفهمه العامة بشكل كلي بعد، ذاع صيت قدرته في التقاط الماورائيات وانتشر بشكل واسع. حتى وصل الأمر إلى تصوير أرملة الرئيس الأمريكي لنكولن برفقة شبحه بعد اغتياله، وصورة الملكة فيكتوريا برفقة الشبح المقدس. كلها استخدمت لتعزيز السرديات المتداولة عن الموت وما يحدث بعده، أو حتى قدسية رمزية الشخصيات البارزة مثل الملكة فيكتوريا أو آبراهام لنكولن. ولكن في الواقع، كان المصورون يرسمون على العدسة فحسب ما يظنون أنه قد يلقَ قبولاً مع زبائنهم، وعند تظهير الفلم تظهر معالم باهتة لما رسموه ويفسرونها للزبون بأنه شبحاً يحنو عليه ويرافقه.
تلك الصور لم توثق أي حقائق على أرض الواقع، ولكنها نجحت في توثيق وحفظ السرديات الثقافية المتمثلة فيها. تلك السرديات التي كانت خيالات عائمة يتلاقط البشر أضغاثها في قصصهم. ولكن في تلك الصور التي قطبها مصوروها تمكنوا من جمع هذه الأضغاث لتوثيق سردية متكاملة منسوجة بخواطر ومشاعر الناس حينها. فهي لم توثق وفاة هؤلاء الأشخاص فحسب، بل أيضاً اشتياق عوائلهم لهم ورغبتهم بالتواصل معهم بأي وسيلة.
ولوج عوالم تخيلية جديدة
نجح التلاعب بالتصوير بتقريب الخيال إلى الواقع من خلال تقطيب تصورات معقدة عن حياة البشر ككل، وتصوير الأفكار المجردة في لوحات تضج بالتفاصيل. فلم يعد من الضروري رسم كل عنصر على حدى وربطه بشكل منطقي بخلفيته المحيطة، بل أصبح بسهولة قص العناصر يدوياً ولصقها سوياً على ذات الصورة لتحكي حكاية جديدة. أي، صار تكوين عوالم بصرية جديدة أسهل، مما مكّن العديد من الأشخاص من توظيف هذه التقنيات التي تتيحها هذه الأدوات: من تلاعب بالعدسات، أو طريقة التظهير، أو قص ولصق العناصر ببعضها، أو حتى تقريب أو إبعاد العناصر عن الكاميرا أثناء التصوير، لاستكشاف عوالم تخيلية جديدة لم يكن الولوج لها متاحاً من ذي قبل.
في فلم “رحلة إلى القمر”، تلاعب صانعوه بخدع عدسة الكاميرا لاستعراض عوالم في أعالي الفضاء حتى أعماق البحار، مما فتح الباب لتلك الخيالات غير المألوفة للمشاهدين لرؤيتها وتجربتها بصرياً. مغذين بذلك مخيلتهم بتسليط الضوء على احتمالات لم توجد بعد في عالمهم. فلم يحط البشر على سطح القمر إلا بعد 67 عاماً من ظهور ذلك الفيلم. الصور لا توثق فقط ما حدث أو يحدث، سواءً واقعياً أو وجدانياً، بل أيضا قد تساعد على تخيل ما يمكن حدوثه، وماهي المخاوف أو الآمال التي قد تصاحب ذلك الحدث.
ولأجل ذلك باتت الصور طريقة مباشرة لتمثيل المخيلة الجمعية، مؤطرة بالمشاعر التي تفيض من واقع الناس آنذاك، وموثقة بعدد الدلائل البصرية التي أُنتجت في نفس الفترة الزمنية ومدى انتشارها. لن ينتشر الشيء ويُحدث صدى إلا وقد وجد رنيناً في مخيلة المتلقي، من مخاوف، ورغبات، وآلام، وبالمحصلة تصورات عن المستقبل.
كل أداة جديدة تجلب معها مفاتيح لعوالم لم تُفتح بعد
الخيال كان دوماً موجود، قصص ألف ليلة وليلة وما سبقها من فلكلورات عربية وفارسية وهندية وصينية ويونانية كفيلة بإثبات اتساع خيالات البشر عبر العصور. ولكن الأدوات المتوفرة لتصويرها وتمثيلها كانت محدودة وصعبة الوصول. ليس كل القوالب مناسبة للتعبير عن كل المشاعر، وليس كل البشر يمتلكون الوقت الكافي والملكة المهارية لتعلم توظيف تلك الأدوات للتعبير عن خيالاتهم ومشاعرهم وأفكارهم. كما قد يصعب حفظ هذه التصورات ونشرها حسب الوسط المستخدم.
استحداث الأدوات الجديدة لتمثيل خيال البشر بمشاعرهم وخواطرهم لا يستنقص من أدوات أقدم، بل يكملها. فالرسم بالألوان لم يلغِ النحت، والتصوير الفوتوغرافي لم يلغِ الرسم، والصورة المتحركة لم تلغِ الثابتة. لكل واحدة من هذه الفنون مجالها الخاص بمتطلباته ومهاراته، التي لا يمكن استكشاف أقصاه إلا بالانغماس به دون غيره وممارسته.
تعدد الوسائط ووسائل التعبير تساعد على تخطي محدودية كل أداة وتوسيع الأفق الإبداعي الإنساني. إما كان عبر تسهيل استخدام الأداة، أو تبسيط المدة المطلوبة للإتقان، أو حتى إتاحتها لعدد أكبر من المستخدمين. كلها ستؤدي لزيادة الإنتاج في ذلك الوسط واستعراض جوانبه وما قد يصاحبها من قيود. في زيادة الإنتاج إثراء للمخيلة الجمعية، وفي توثيق ذلك تعزيز للهوية الثقافية.
الذكاء الصناعي التوليدي
أبدى البعض مخاوفه من اكتساح الذكاءات التوليدية عالم الفنون واستبدالها للمواهب البشرية، بل حتى وصم بعضهم من يستخدم الذكاءات التوليدية في إنتاج فنه بالزيف وخداع الجمهور. ولكن ما قد يغيب من تلك الحجة هو حداثة الذكاءات وعجزها عن توليد محتوى يغور في الذات البشرية بنفس كفاءة الفن البشري الموجود. مهما أتقنت محاكاة البشر وفنونهم، سيبقى البشر الوحيدون من يمتلكون القدرة على التأثير على بعضهم بشكل معنوي وبنّاء.
ذلك لا يمنع من استخدام هذه الذكاءات كأدوات لاستكشاف خيالات بشرية جديدة. وكأي أداة، ستتفرد بجنسها النوعي في نتاجها الفني. وقد بدأ الفنانون في استكشاف ذلك الجنس النوعي الفريد. الفنانة صوفيا كريسبو وظفت الذكاءات التوليدية لاستكشاف قدرته على مد الجسور بين عالمنا الواقعي و”الطبيعيات” التخيلية التي لا يمكن الوصول لها إلا من خلال مستويات عالية من الحوسبة. تستعرض أعمالها لوحات بصرية مألوفة إلى حد كبير، حتى يلحظ فيها المتلقي تفصيلاً صغيراً يلغي أى ألفة استشفها مسبقاً.
وإن طبقنا ذات النمط الذي اتبعته التقنيات الفنية في السابق، من محاكاة لفنون موجودة إلى انتشارها كمجال فني فريد، فإن ذلك يعد بتوليد احتمالات وفتح عوالم تخيلية لا تثري الفنون البشرية فحسب وتوثق خواطرهم الجمعية، بل يفتح ويمزج بين المجالات الموجودة ويمد الجسور لتطورات بشرية لم نتخيلها بعد.
لينة الشعلان كاتبة سعودية تكتب في الخيال العلمي. تُعرف بروايتها “أخابيط” التي حازت على إشادات نقدية واسعة، وقد ترشحت للاقتباس السينمائي. تعكس كتاباتها شغفها بالاستكشافات العلمية والابتكار الأدبي. تعيش حاليًا في الرياض وتعمل على مشاريع أدبية جديدة.







