بطء لا نعرف كيف نعود إليه
عن الصور، والذاكرة، والزمن الذي لم نعد نملكه
جمعة مباركة على الجميع.
تغيّر شيء ما في علاقتي بالأرشيفات.
الصور لا تزال موجودة: متداولة، تنتظر أن تُفحص. لكن لا أستطيع أن أنظر إليها بالطريقة التي اعتدت عليها، بتلك الطاقة من الاكتشاف والتحليل، تلك الحاجة لتكوين أفكار بسرعة كافية لمشاركتها مع الآخرين. بكل صراحة، متعبة من امتلاك رأي، متعبة من السرعة التي يُفترض بي أن أعالج بها الأشياء، أن أفهمها، وأن أحزمها في شيء متماسك قابل للاستهلاك.
مثلا… أمامنا هذه الصورة من الخمسينيات تُظهر سوقاً وأناساً يتحركون. المشهد كله يشع نوعاً من الهدوء لا أعرف كيف أصل إليه… بمعنى عندما أنظر إليها، لا أريد أن أحلل من التقطها أو ما تعنيه لتراثنا أو كيف تتناسب مع سردية أكبر عن الهوية. أريد فقط أن أجلس مع الصورة، أن أشعر بما يجعلها تبدو بطيئة للغاية، غير متعجلة.
هذا هو الشيء في هذه الصور. كل شيء فيها يبدو بطيئاً… ليس بطريقة رومانسية، وليس كخيال خالد، بل إنساني. هؤلاء يتحركون على إيقاع الحياة، بلا استعجال، بلا اندفاع ليكونوا في مكان آخر أو ليصبحوا شيئاً آخر أو ليثبتوا شيئاً لمجتمع ما. يعيشون فحسب.
لم نعد نعيش هكذا. لا نستطيع. لقد ظللنا نتسارع لفترة طويلة حتى أصبح البطء يبدو مستحيلاً، بل مريباً تقريباً، كما لو أن عدم التحرك بسرعة، عدم التعلم بسرعة، الإنتاج بسرعة، الاستهلاك بسرعة، تكوين الآراء بسرعة، يعني أنك قد فشلت. فالسرعة أصبحت هي الهدف نفسه، ونحن نركض دون أن نتذكر لماذا.

أظل أفكر في الذاكرة، ليس كأرشيف أو تراث بل كممارسة، كتجربة فعلية لحمل شيء ما لفترة كافية ليغيّرك، لتركه يستقر دون الحاجة الفورية لاستخراج معنى منه. التذكر يستغرق وقتاً، والزمن هو ما يعطي الذاكرة ثقلها..
السلسلة تنقطع. فالنقل يتطلب صبراً، معلم وطالب يجلسان معاً لفترة كافية لجيل واحد لتمرير شيء إلى التالي بعناية وانتباه ووقت. لا يمكنك أن تستعجل في هذا الأمر، لكننا استعجلناه، وكسرناه من خلال الإهمال، من خلال القطيعة، من خلال السرعة أكثر من أي شيء آخر.
لكننا لا نفعل ذلك. نطرح أسئلة سريعة، نسجل إجابات سريعة، ونمضي، نعامل معرفتهم كمحتوى للاستهلاك وللاستمتاع به بدلاً من النظر إليها كحكمة أو كمفتاح لباب خلفه العديد من الأجوبة لأسئلة باتت في خواطرنا.. هذه هي الغفلة حقاً… أن تنشغل بالحركة والضوضاء لدرجة أن تفقد الوعي بما يهم فعلاً، مستيقظ تقنياً وحي تقنياً لكن تمشي وأنت نائم عبر كل شيء. الحل ليس المزيد من الإنتاجية أو المزيد من الإنجاز أو المزيد من إثبات أنك لا تضيع الوقت…
أتذكر طفولتي كانت بطيئة، بطيئة بشكل مؤلم أحياناً، وكنت أشتكي منها. الانتظار، الملل، الطريقة التي بدا فيها الوقت يتمدد إلى ما لا نهاية دون شيء لملئه. هذا الفراغ الذي تملئه بالهوايات وبالاستكشاف الذاتي وليس الانتاج وارضاء الآخرين… وفي هذا العمر، ليت أعطي ما عندي للعودة إلى ذلك الإيقاع، ليس لأنني أريد أن أفعل أقل لكن لأنني لا أريد أن أشعر بالاستعجال بعد الآن، لا أريد أن أشعر كل لحظة كأنها مسروقة من اللحظة التالية، لا أريد هذا الشعور المستمر أنني متأخرة، أنني أضيع الوقت حتى عندما أفعل بالضبط ما يُفترض بي أن أفعله…
ومؤمنة إيمانًا تامًا بأن الأرض لا تزال تعرف هذا البطء. في الصحراء، في الجبال، بعيدًا عن المدن التي أُعيد بناؤها ثلاث مرات خلال خمسين عامًا. هناك إيقاع مختلف؛ زمن يتمدد بدلًا من أن ينضغط. سكون يكشف كم من الضوضاء نحمل في داخلنا، وكم من السرعة استبطناها حتى أصبحت تبدو وكأنها حالتنا الطبيعية. لكنها ليست طبيعية. إنها متعلَّمة، وإذا كانت متعلَّمة، فربما يمكن نسيانها.
الصور تستمر في العودة، ليس لاستعادة الاستمرارية. لكن لتُظهر ما فُقد على طول الطريق. ليس فقط المباني، ليس فقط الممارسات، بل الوقت نفسه، نوع الوقت الذي يسمح بالتذكر الصحيح، النقل الصحيح، الحضور الصحيح مع ما سبق.
كسرنا السلسلة عندما اندفعنا إلى الأمام، حين ضغطنا عقودًا من التغيير في سنوات، وسنوات في أشهر. بنينا وهدمنا وأعدنا البناء بسرعة جعلت الاستمرارية نفسها مستحيلة.
وليس هذا لومًا للتطور؛ فمن الطبيعي لأي مكان أن ينمو، وأن يتغير، وأن يواكب العالم. لكن ما يستحق التوقف عنده هو البصمة التي يتركها هذا التغيير حين يحدث بهذه الوتيرة، والتأثيرات التي يُحدثها في علاقتنا بالزمن وبأنفسنا.
صدقاً… العيش في ألمانيا لبضع سنوات جعل هذه الفجوة أكثر وضوحًا. الفوارق بين أجيالهم ليست عميقة كفوارقنا؛ شاب في العشرين وجده نشآ في عوالم يمكن التعرف على استمراريتها، مختلفة نعم، لكنها متصلة. المدن التي عرفها الأجداد ما تزال قائمة إلى حد كبير، ووتيرة التغيير كانت تدريجية بما يكفي لأن يسلّم كل جيل شيئًا سليمًا للذي يليه.
بالنسبة لنا، الفجوة أقرب إلى هاوية. طفولة إحدى الخالات وطفولتي تفصل بينهما عقود، لكنهما قد تنتميان إلى عالمين مختلفين تمامًا. العالم المادي الذي عرفته اختفى، والإيقاع الذي عاشت به اختفى معه. وليس هذا خطأها، ولا خطئي، ولا خطأ فرد بعينه؛ بل نتيجة مجتمع اضطر إلى التحول بهذه السرعة ليبقى، وليجد لنفسه مكانًا في العالم الحديث.
لهذا، ربما علينا أن نمنح أنفسنا بعض الفضل… لا بوصفه مديحًا، بل صبرًا. أن ندرك أن ما نحاول القيام به الآن… بناء التراث، الحفاظ على الاتصال، فهم الماضي… هو مهمة أصعب بكثير مما واجهته مجتمعات امتلكت ترف التغيير التدريجي. نحن لا نفشل في أمر سهل، بل نحاول شيئًا استثنائي الصعوبة، بينما يُطلب منا في الوقت ذاته أن نستمر في الاستعجال، وأن نواصل التطوير، وأن نتحرك إلى الأمام دون توقف.
ربما نحتاج أن نكون أكثر لطفًا مع أنفسنا حيال هذه الفجوات، حيال حقيقة أن السلسلة انقطعت، وأننا نعيد البناء من شظايا. إعادة بناء فوضوية، متنازع عليها، وبطيئة… وربما ينبغي لها أن تكون كذلك.
الصورة تستطيع أن تخبرنا أين التُقط شيء، ومتى، وبواسطة من. لكنها لا تستطيع أن تخبرنا كيف تطورت ممارسة اجتماعية، لماذا تُركت، أو ما كانت القواعد غير المعلنة التي حكمتها. تلك المعرفة تعيش في الناس: في الوقت الذي يستغرقونه للشرح، في الوقفات والاستطرادات التي تبدو غير فعالة، لكنها في الواقع حيث يحدث الفهم الحقيقي. وهؤلاء الناس لن يكونوا هنا طويلًا.
قريبًا، كل ما سيتبقى لدينا هو هذه الصور. معرفة يتيمة، دليل بصري على لحظات كان يفترض أن تتصل بنا، لكنها لا تفعل تمامًا، لأن السلسلة التي كانت ستصادق على ذلك الاتصال قد ذهبت.
ربما هذه هي الخسارة الحقيقية: ليس فقط العالم المادي الذي هُدم، ولا الممارسات التي هُجرت، بل خسارة البطء نفسه. خسارة نوع الوقت الذي يسمح بالتذكر الصحيح. إذا كان بالإمكان الجلوس طويلًا بما يكفي، والتباطؤ بما يكفي لفهم ليس فقط ما تُظهره هذه الصور، بل ما عنته، وكيف عاشها الناس، وما ضاع وما نجا، فربما يمكن العثور على شيء ما. ليس الاستمرارية بالضبط، بل نوع مختلف من الاتصال، نوع يمكنه العيش مع الفجوات، مع الشظايا، مع التناقضات.
لكن ذلك يتطلب وقتًا، والوقت هو الشيء الوحيد الذي أقنعنا أنفسنا أننا لا نملكه.








سُعدت جدًا عندما رأيت صورة سوق عيبان الواقع بالقرب من جبال فيفاء، ذِكر فيفاء في اي موضوع متعلق بالتاريخ يسعدني
دائما مبهرة غادة شكرًا لك !
فعلاً، أصبحنا نواكب التطور بسرعة متلاحقة في تفاصيل حياتنا اليومية والشخصية، حتى فقدنا القدرة على الاستمتاع بالمراحل نفسها. ومع هذا التسارع، فقدنا الصبر والتمهل، وتغيّر مفهوم النجاح لدينا؛ فأصبح النجاح مرتبطًا بالوصول السريع لا بالوصول الواعي.
صرنا نؤمن أن عدم الوصول في الزمن المحدد يعني الفشل، حتى وإن تحقق الوصول لاحقًا. والأسوأ أننا قد ننظر إلى هذا النجاح المتأخر على أنه فشل، فقط لأنه لم يواكب سرعة العصر. لم يعد المهم امتلاك القدرات أو اكتساب الخبرات اللازمة، بقدر ما أصبح المهم هو الوصول في إطار زمني معين، حتى وإن كان هذا الوصول بلا نضج حقيقي أو إمكانيات تتطلب بطبيعتها وقتًا أطول للنمو.
مبدعة في طرحك للمواضيع دائمًا. شكرا لك