عقد بلا بنود
قراءة في العقد الاجتماعي غير المرئي
يا أهلا وسهلاً ومسائكم خير وبركة يا رب.
بكل صدق: الموضوع هذا ليس من الموضوعات التي انخرط فيها. فتعلمون أن عملي يتحور حول الثقافة البصرية، وأنثروبولوجيا الصورة، لا بدراما المؤثّرين. لكن أحيانا يتنشر خبر ما لأبعد الدرجات لتجعل جميع الخوارزميات تصر على أننا نرى ونراقب هذا الحدث، وموضوع سارة الودعاني الأيام السابقة كان هو حديث الناس.
ما استوقفني في الموضوع لم يكن تصرف سارة بحد ذاته. الحقيقة هي أن الناس تتغير، الرموز تتحول، وهذا ليس استثنائي أو أمر فريد لشخص معين. ما استوقفني كان ردة الفعل، التعليقات والتفاعل الذي تدفق عبر أغلب قنوات التواصل الاجتماعية. التعليقات مجرّد نقد. ففي منها كانت مجروحة، لغتها مشحونة بالحزن، وبإحساس بالخيانة، وبغضب بدا شخصيًا. وظللت أسأل نفسي: لماذا يعامل قرار شخص غريب (فمهما شاركت سارة حياتها لا تزال غريبة علينا) كإصابة؟ لماذا يبدو الأمر وكأن شيئا قد انتزع؟
على مدى سنوات، لم تصنع سارة (وغيرها من المؤثرين) محتوى فحسب؛ صنعت استقرارًا. في بيئة رقمية يتقلب فيها المحتوى باستمرار، قدمت هي قابلية للتوقع. نعرف تسلسل المحتوى، المواضيع التي ستتطرق لها، الرسائل التي ترسلها للمتابعين. جميعها كانت واضحة وقدم من شخص قنوع فيما يعمل. وهذه الوضوحية مهمة، جعلتها مقروءة، قابلة للفهم.
والقابلية للفهم تبني الثقة. والثقة، مع الوقت، تتراكم لتصبح توقعا، وهنا يتشكل العقد الاجتماعي غير المعلن.
لا يوجد لنا عقد واضح، ولا وعد صرح به. لكن الجمهور حينما يرى شخص عام يبرز رموزاً معينة أو تماثيل معينة يبدو مقتنعاً بها، فيرون أن الشخص ثابت ومستقر، وإلى حدٍ ما مؤمن وثقة. والمتابعين لا يكتفون بالمشاهدة، فهم يخلقون صور مدرجة في مخيلاتهم، يستشهدون بالمؤثرين ويدافعون عنهم (مع عوائلهم، مجتمعهم وذواتهم!)
بهذا المعنى، يبدأ الخاص في التسرّب إلى العام، والعكس صحيح.
في هذه الحالة يأتي في بالي ما كتب جان جاك روسو في كتابه “العقد الاجتماعي”، بأن القوة تنشأ عبر الاعتراف الجماعي. فهي لا تستدام بذاتها، لكنها تحتاج إلى اتفاق مشترك حول ما تمثله، وهذا الاعتراف بطبيعة حاله يخلق حدوداً. من يستفيد من الثقة الجمعية لا يستطيع إعادة تعريف الشروط فجأة من دون زعزعة البنية التي منحته تلك الثقة.
فيمكننا أن نقول من حيث هذا المبدأ أن التأثير يعمل بطريقة مشابهة.
سلطة المؤثر لا تفرض؛ بل تمنح. تقوم على موافقة ملايين صامتة، تتشكل مع الزمن، حول ما يمثله هذا الشخص. وحين تستقر هذه الصورة، تبدأ في الإحساس وكأنها تعاقدية. وعندما نشرت سارة المقطع بشكل مفاجئ، قُرئ لا كتحول، بل كانكسار مفاجئ.وهذا ما تكشفه التعليقات ذلك بوضوح:
ليس السؤال هنا عن حقها في التغيير. البشر لا يطالبون بالثبات، وليسوا بجوامد. لكن الإشكال يبدأ حين يتجاوز الرمز حدود الذات، ويقرأ بوصفه أكثر من خيار شخصي. في حالة سارة، لم يكن الحجاب تفصيل عابر، بل مع الوقت أصبح دليل على إمكانية الجمع بين الاحتشام والحداثة، وهذا ما منح حضورها ثباتًا. لهذا لم تكن متابعتها، في رأيي، فعل استهلاك عابر، بل إحساسًا بإمكانية جمع الوضوح الديني مع الحضور المعاصر من دون تناقض. وعندما يتغيّر هذا الإحساس فجأة، لا يتزعزع الذوق فحسب، بل تتفكك السردية التي قامت عليه اختيارات كثيرة.
نحن لا نعلم بمنطق سارة الداخلي. لا نعرف إن كان القرار ثمرة تفكير مطولة، أو حساب استراتيجي، أو شيء آخر. ما نعرفه هو ما مثلته علنا، وكيف اشتغل هذا التمثيل اجتماعيا. حين تصاغ القناعة بوضوح لسنوات ثم تعكس من دون انتقال مرئي، يعيش الجمهور التحوّل كإعادة تفاوض أحادية.
وهنا يكمن التوتّر الأعمق في ثقافة المؤثّرين. فلو بقيت رغم تغيرها الداخلي، تتهم بالتمثيل. وإن تغيّرت علنا، اتُّهمت بالخيانة. الهيكل الذي بنيناه كمجتمع في التواصل الاجتماعي لا يوفر مخرجا. الثباتية تكافأ، والتغيير (إن كان مقبول أو غيره) يحدث كثير من الجدل.
ويجب علي أن أكون واقعية - التوتر هذا ليس خاص بمنطقتنا. يظهر هذا الموضوع حول العالم كلما تغيير أشخاص رمزيون إلى نقاط مرجعية. تلصق الديمومة بأناس هم، بطبيعتهم، في حركة. وتبنى الاتّساق على أشخاص لا على مؤسسات. وحين يتغييرون، نشعر بأن الأرض تهتز وأن الحياة غير مستقرة.
وربما كان الغضب نفسه إشارة إلى سوء فهم. الجمهور تعامل مع الصورة وكأن لها وزنا يتجاوز صاحبتها، بينما قد تكون هي تعاملت معها بوصفها شأنا يخصها وحدها. وحين التقى الفهمان، لم يلتقيا بهدوء.
فماذا تدين لهم؟ على مستوى ما، لا شيء. هي شخص مستقل قبل أن تكون رمزا. وعلى مستوى آخر، لا يمكننا انكار استفادتها من الاستقرار الذي مثّلته. رأس المال الاجتماعي والاقتصادي للتأثير يُبنى على الاعتمادية. وإعادة التفاوض على هذه الاعتمادية من دون تهيئة الأرض ستُشعِر حتمًا بالقطيعة.
الاشكالية إذا برأيي، ليست خيارها، بل النظام الذي يخلط بين الأشخاص والرموز الثابتة. لقد بنينا اقتصادًا للاهتمام يطالب الناس بالاتساق وهم يتغيرون باستمرار. نكافئ القناعة ما دامت لا تتبدل. ونعجز عن استيعاب التحول المرئي.
إذاً، الإرباك لا يأتي من التغيير، بل من اكتشاف هشاشة الصور التي طلبنا منها أكثر مما تحتمل.





طرحٌ مميز يدفعني إلى التساؤل حول الكيفية التي تتداخل بها مؤثرات الرأسمالية وثقافة الاستهلاك مع ثقافة الصورة، وكيف يسهم هذا التشابك في إنتاج فجوة وعي عميقة تعيد تشكيل إدراك الفرد لذاته وللعالم من حوله.
بالنسبة لي لازلت اردد المقولة المترجمة للعربية ( لا تجعل من الحمقى المجانين مشاهير ) هناك فرق كبير بين الشهرة والتميز، المحتوى المغلف بأقنعة التيار الاجتماعي المرموق والتيار الاجتماعي المتمرد هو دائماً محتوى جيد لشريحة تتابع بهوس كل جديد، ظنا منها ان الحياه هكذا يجب ان تكون وان المشهور المفضل هو خير من يمثل هذه الحياة، ولهذا السبب حين يتغير المشهور المختار تنهار منظومة ماتريكس لاحدهم بينما نجد الاخر قر وجد ضالته اخيراً ليقول بالفم المليان كنت اعلم انك تنتمي الينا واهلا بك في نادينا والصواب هو مافعلته، لكن كقارئ للمشهد اختلاف الحال بعد حدث يعد دائماً انتكاسه وليس استفاقة فالتغير إذا لم يكن ايجابياً سيحسب على منظومة القيم لا على منظومة المجتمع وبما ان المجتمع يمر بموجة غير واضحة من الحياد فعلى اصحاب الأقلام ترجمة اللغة السوشلية كما يجب أن تقرأ لا كما يبرع البعض في الدبلجة، عثورك على نقطة إيجابية ضمن هذه الفوضى الانتقادية هي بلا شك ضوء يكشف عن طريقة تفكيرك وعدم انحيازك لرأي الأغلبية ولكن احيانا يكون الجميع يحفظ القصة