الوضع حالياً
طاش ما طاش، الحرب، والأرشيف الذي نعود إليه في كل مرة
يا أهلاً وسهلاً ومسائكم خير وبركة يا رب.
أتمنى أنكم بخير وسلامة في ظل ما يحدث في منطقتنا الغالية... دعائي لكم وللجميع وإن الله يحفظكم بحفظه يا رب..
الصدق هو أن مع كل أزمة، تنتشر النكت والسخرية لتخفيف ثقل الواقع خاصة في عصر التنقية التي نعيشها. وفي الحقيقة ما لفت انتباهي هذه المرة هو أن يوجد مسلسلاً واحداً يعود في كل مرة يحدث أمرٌ كبير وهو: طاش ما طاش.
افتحوا إنستغرام أو إكس أو تيك توك وشاهدوا المحتوى، تحديداً من الخليج ، وستجدون أن طاش ما طاش في كل مكان. من أكثر من عشر سنوات، ومشاهده التي تنتشر اليوم عمرها يقارب العشرين. ومع ذلك يعود مع كل أزمة وكأنه لم يغب.
والملفت أن أغلب هذه الميمز ليست حتى من حلقات حرب التي انتجتها طاش ما طاش مثل “الغول” و “حدث في مثل ذلك اليوم”. بعضها مشاهد عادية! أهم شي إنه من طاش..
والحقيقة أن طاش لا يعود فقط مع الحروب. هذه نفس الآلية تحدث مع كل شيء:
شخص يبحث عن وظيفة: طاش. شخص يسولف عن شات جي بي تي: طاش. فالمسلسل اصبح مثل القالب الجاهز لأي شعور، في أي سياق. وهذا ما يجعل استخدامه في الحرب ليس حالة خاصة، بل جزءاً من شيء أكبر.
فالسؤال إذاً: لماذا؟ لماذا هذا المسلسل تحديداً، بعد كل هالوقت؟
الجواب الذي قد تجده في أي مقال غربي هو أن السخرية السوداء “آلية دفاعية.” ناس خائفة تضحك لتتحمّل. وهذا ليس خاطئاً تماماً، لكنه يفترض أن الناس خائفة أصلاً. والحقيقة أن كثيراً منا ليس خائفاً بقدر ما هو متعب من التكرار. الحرب ليست صدمة جديدة في المنطقة. للأسف الشديد هو شيء نعرفه، عشناه بأنفسنا، وسمعنا عن أهلنا يعيشونه. وأنا أكتب لكم النص من برلين، أرى التغطية الأوروبية بنبرتها الجادة وتحليلاتها بلغة الأزمات. بعض الأحيان… اللغة الجدية ليست أصدق من السخرية. كلاهما ردة فعل. الفرق في أن الأولى تتعامل مع الحدث وكأنه استثنائي، والثانية تتعامل معه وكأنه مألوف.
لكن في الحقيقة، السؤال الذي شغلني فعلاً ليس لماذا الضحك، بل لماذا الاسترجاع. يذكّرني بشيء قرأته ذات مرة (بصراحة لا أذكر اسم الكاتب) عن النكت السوداء التي كانت تنتشر أثناء حصار سراييفو في التسعينات. الناس تحت القصف اخترعت فكاهة جديدة لم تكن موجودة من قبل. لكن ما يحدث عندنا أمر مختلف، فلا نكتفي فقط في اختراع نوع من الكوميديا جديدة. نعود إلى أرشيف موجود: نسحب مشاهد من مسلسل عالج كل شيء تقريباً قبل عقدين، ونلبّسها اللحظة الحالية.
من لا يعرف: طاش ما طاش عُرض ثمانية عشر موسماً في رمضان، من ١٩٩٣ إلى ٢٠١١. كل سنة، بعد الإفطار، العائلات تجتمع لمشاهدته. والسبب أن الكل كان يشوف نفسه فيه. ما كان يخاطب جيلاً واحداً، بل الجد والجدة والأب والأم والأخوان الأخوات جميعهم يضحكون على نفس المشهد. طاش تكلّم عن قضايا اجتماعية الكل يشوفها حوله، سخر من أشياء قليل أحد يجرؤ يسخر منها، وأحياناً وصل في مشاهده لدرجة إنه جعلنا نرى أنفسنا بصدق. ومع الوقت صار من ذلك النوع من الأعمال التي تمنح مجتمعاً كاملاً قاموساً مشتركاً… صور وشخصيات ومواقف تُستخدم في المحادثة دون حاجة إلى شرح. لم يعد محتوى يستهلك، فقد صار لغة.
وهذا ما يفسّر لماذا تعمل حتى المشاهد العشوائية. ياخذ شاب أي مشهد عادي ويكتب تحته ما يشعر به، هو لا يصنع نكتة عن الحرب. هو يقول شيئاً عن انتمائه: أنا من هذا النسيج… من هذه الذاكرة الممتدة…
مثل هذا المقطع… نرى أنها لقطة مختلفة عن النص المذكور، لكن هذا نقل ثقافي يحدث أمامنا على شكل نكتة. جيل يتعلم لغة الأزمة من الجيل الذي قبله، والكوميديا هي الوسيط.
من ينشره يصف مراقبته لأهله وهم يتابعون الأخبار… مستخدماً صورة تصوّر جيل أجداده وهم يفعلون الشيء ذاته.
وألاحظ شيئاً لا أظن أن أحداً ممن ينشرون هذه الميمز سيفكر في قوله، لأنه واضح لدرجة لا تستدعي الإشارة: الميمز تبقى بالعربية. ليس لأن النكت لا تُترجم، بل لأن كل ما يجعلها تعمل ( الأرشيف، طقس رمضان، التعرّف بين الأجيال) لا وجود له خارج هذا السياق. أستطيع أن أشرح عبود سليم لأي شخص هنا في برلين. أن أصف الصورة وأضع سياقاً. وسيفهم كل معلومة على حدة . ولن يفهم لماذا تهمّ. إذا احتجت من يشرح لك الميم، عذراً لك… فأنت خارجه.
والسؤال الذي أطرحه بصدق: هل سيكون لنا طاش ما طاش آخر؟ هل أي عمل يُنتج اليوم قادر على أن يصبح أرشيفاً بهذا الشكل؟ أن تُسحب منه مشاهد بعد عشرين سنة ويفهمها الجميع دون شرح؟ طاش ما طاش صُنع في ظروف لم تعد موجودة: شاشة واحدة في الغرفة، عائلة كاملة تتفرج مع بعض، رمضان بعد رمضان، ثمانية عشر سنة. أما اليوم، فالمحتوى يُشاهد على الهاتف، وحيداً، بخوارزمية مختلفة لكل شخص. يمكن لعمل أن يكون ناجحاً دون أن يصبح لغة مشتركة.
وربما كان طاش ما طاش آخر نص جماعي من هذا النوع و السبب في أننا لا نزال نعود إليه…


