مسائكم جميعاً خير وبركة.. اتمنى أنكم بصحة وسلامة يا رب.
خلال اليومين الماضيين كنت أحاول أن أركز على عملي، على الإيقاع الذي اعتد عليه. لكن ظل ذهني مشغولا. كنت أتابع ما يقال وينشر، وما يبدوا أصبح مقبولا أن يقال. فبالأمس، سخر وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش من السعودية قائلًا إنهم إذا أرادوا دولة فلسطينية مقابل التطبيع “فبإمكانهم أن يواصلوا ركوب الجِمال على رمال الصحراء”.
سموتريتش لم يتحدث عن السياسة بقدر ما كان يرسم لوحة. في جملة واحدة استرجع الخيال الاستشراقي: العربي البدائي، العاطفي، غير القادر على الحداثة.

هذا ما يسمى بعنف الخيال، حين تتحول اللغة إلى فرشاة، والتحيّز إلى تصميم. وهو نوع من أنواع العنف الخيالي القديم الذي تكرر عبر قرون من لوحات المستشرقين إلى أفلام هوليوود، ومن الأدب إلى الرسوم الساخرة. “العربي” كرمز، وكتهديد، وككائن غريب لا يمكن تهدئته. ما كان يحتاج إلى لوحة زيتية أو شريط فيلم أصبح اليوم مجرد تغريدة. مثلاً قرأت تغريدة صباح اليوم تسخر من العرب وغيرهم لأننا جميعاً نأكل بأيدينا. وهذه ليست تغريدة مضحكة في وجهها، بل في تفسيرها هي إعادة تخيلية لمفهوم التقدم. فتصبح الملعقة رمز للحضارة، واليد علامة على البدائية.
الصور تتحرك أسرع من التفكير، والواقع هي لا تحتاج إلى سياق معين كي تؤذي. ومع الذكاء الاصطناعي، تنتشر صور مثل التي بالأسفل التي تُظهر فتاة شقراء تجلس في صف مليء بالعرب مع تعليق: “طفلك في المستقبل يحاول أن يفهم العربية.” الصورة ليست بريئة، بل استفزازًا متعمّدًا.
كتب مارك سيلي (مؤرخ ثقافي) إن إسقاط صورة مُهينة على الآخر لا يقتصر على تشويهه، بل يُحدث ضررًا فعليًا حين تُصدَّق تلك الصورة وتُستبطن. فذلك هو العنف الصامت للصورة؛ لا تحتاج إلى أن تضرب كي تؤذي، فيكفي أن تؤمن بها. عبر أجيال طويلة شكلت الوسائط البصرية فهمنا للعالم، فحولت الاختلاف إلى مشهد، والناس إلى رموز. الكثير يعقد بأن الصور تصف الثقافة، ولكن هي في الحقيقة تصنع معناها. إنها تنتج ما يسميه سيلي زمنا تخيليا يبقي شعوبا بأكملها مجمدة، وكأنها تعيش خارج الزمن الحاضر.
ممكن تعتقدون بأن هذا الخيال محصورًا في الغرب. للأسف، الحقيقة أبعد من ذلك، فمن يتذكر قبل سنتين في المسلسل الكوري ملك الأرض حين قدّم شخصية “الأمير العربي الثري” محاطا بالنساء، فقد كان نسخة جديدة من الصورة القديمة نفسها. ففي عام 1973 نشرت المجلة التركية الساخرة “أكبابا” غلافا يصور أزمة النفط على هيئة مجموعة من العرب يحوّلون أوروبا إلى راقصة شرقية. يعكس هذا الغلاف نظرةً استعلائيةً ترى في العرب مصدرا للتهديد والابتزاز، ويظهر كيف انتقلت الصورة النمطية من منطقة لأخرى.
وهذه الصورلا تتكوّن صدفة، بل تبدأ منذ مراحل مبكرة في تشكيل الوعي. فقد أظهرت دراسة علمية نشرت قبل اثنتي عشرة سنة أجرتها منيبا سليم وكريغ أندرسون عام 2013 بعنوان «العرب كإرهابيين: آثار الصور النمطية في سياقٍ عنيف على التصورات والمواقف والمشاعر». وجدوا أن التعرض لألعاب الفيديو التي تقدم فيها شخصيات عربية في أدوار عنيفة يولد في الطفل عدائية تجاه العرب ويؤثر في كيفية التعامل معهم. الأعجب من ذلك، أن وجدوا أيضاً أن التأثير ظل قائم حتى عندما لم تتضمن اللعبة شخصيات عربية على الإطلاق، مما يدل على أن الربط بين العنف والعروبة أصبح متجذرا في اللاوعي الجمعي.

للأسف هذه النتائج تبين أن الصورة لم تكن يوما مجرد انعكاس للواقع، بل كانت أداة لصنعه وتوجيهه. فالصورة لا تكتفي بأن تظهر ما هو موجود، بل تقرر من يرى ومن ينسى. ولهذا، فإن عنف الخيال لا يكمن في الصورة ذاتها، بل في استمرار تكرارها حتى تتحول من خيال إلى واقع متخيّل يبنى عليه الإدراك.
مع ذلك ما زال في أيدينا أن نعيد هذه الصياغة، فالدراسات تشير أيضا إلى أن إعادة التعرض لصور مغايرة قادرة على تفكيكها وإضعاف أثرها. الصورة إذا ليست جامدة، بل أداة يمكن أن تستخدم للتشويه أو للفهم، للإقصاء والدراسة أو لإعادة التوازن. فالمسألة لم تعد في من يرانا، بل في من يملك القدرة على تخيلنا. إذا كان الخيال هو الساحة التي ولدت فيها هذه الصور، فهو أيضا الذي يمكن أن نستعيد فيه شكلنا. ربما يكون هذا هو الأهم اليوم: استعادة خيالنا، وتشكيل صورتنا بأعيننا لا بالآخرين.
برأيي قد تكون الخطوة التالية هي أن ننظر إلى عدسات آخرى، إلى من استخدموا الصورة كوسيلة لفهم وتفسير ما يحدث من حولهم. هناك اليوم مصورون ومصورات من منطقتنا يعيدون صياغة سرديتنا البصرية بصدق وجرأة، ينقلون الحياة كما هي، بتفاصيلها الصغيرة. لذا بإذن الله في المنشورات القادمة، إلى جانب مواضيع أخرى وصور قديمة، يشرفني بأن اشارك بعضا من هذه الأعمال التي تروي قصصا من منطقتنا بعد موافقة المصورين.
واتنمى أن تشاركونني بهذه الرحلة، ككل رحلاتي. هل لديكم أسماء مصورين ترون أن أعمالهم وجب الإبحار به؟ دعونا أن نكتشف معا هذه الرحلة من خلال أعينهم، ونقرأ العالم كما يرونه.





إن أردتي من خارج المنطقة فباسكال وماريا ماريشو
التصرف الإسرائيلي هو أشبه بالمثل القائل:"يع عليها حامضة" أو "تف عليها حامضة". أما بالنسبة للصور النمطية زُرعت بواسطة هوليود وكانت البذرة الأولى لهذه المشكلة، بثتها للعالم وليس فقط لشعبها والآلم موجود منذ طفولتنا حيث كبرنا على هذه الأفلام التي جسدت الصورة النمطية عن العربي بأنه بدائي المعيشة أو إرهابي المذهب. أشكرك على طرح الموضوع وأتمنى من الأجيال القادمة عدم الانحياز أو التأثر بهذه الأفكار.
أسهمت قسوة الصحراء في تشكيل هوينا، علمتنا الصبر والتحمل والشجاعة والكرم، وكانت الجبال رمزًا للصلابة، والإبل رمزًا للصبر. من الصحراء نشأنا وفيها مستقبلنا وحاضرنا.
وأخيرًا كل هذا التحجيم منبعه الخوف والقلق من قوتنا وأهميتنا، قالها الملك فيصل الله يرحمه: "نحن أصفى من العسل الصافي لمن أراد صداقتنا، ونحن السم الزعافي لمن أراد أن يعكر صفوفنا"