آخر صورة
ما يبقى حين يغيب الوداع
ما الحزن؟ كبرتُ وأنا أرى الناس يحملون فقدهم بطرقٍ كثيرة. كثيرون منهم، في ما بدا لي، كانوا يتعاملون مع الموت وكأنّ الراحل لم يكن في حياتهم أصلاً؛ يطوون ذكره، يدعون لهم بالمغفرة، ويغلقون الباب. لا أحكم عليهم، فقال سبحانه «لا يُكلّف الله نفساً إلا وسعها»، ولا أرى في ذلك خطأ. لكن عن نفسي لا يمكنني فعل ذلك… ليس كبراً أو استعراض، ولكن فعلاً لا يمكنني فعل هذا. كثيراً ما سمعتُ أنّ الميّت يتأذّى من بكاء أهله، لكنّي لا أنوح؛ بكائي يحدث في عتمةٍ لا يسمعها أحد، في غرفة التحميض حيث لا صوت ولا شاهد. دمعٌ صامتٌ وحزنٌ في القلب، وما في ذلك ما يؤذي أحداً.
أجدني أبكي فجأة، بلا سبب، وأجدني أمدّ يدي نحو شيءٍ لا يُلمس… لا يُلمس أبداً.
وصلتُ بعد أن دفنوه بيوم، فلم تقع عيني عليه. أخذنا أخي حفظه الله من المطار وقال لي ولزوجي إنّ بإمكاننا المرور بالمقبرة. هوى قلبي، لأنّني عرفتُ أنّني لن أقف عند قبره؛ فالمقبرة لم تكن مكاناً لي، ولم يكن لي إلا أن أنظر من بعيد وأدعى له. إلى اليوم أشعر أن هذا كلّه حلم غريب، رحل فيه أبي حقّاً.
ليس في الدنيا شيءٌ أتمنّاه أكثر من أن أكون قبّلت جبينه وداعاً، وأن أكون قلت له في وجهه إنّني أحبّه كثيراً. والآن، كلّ ما بقي لي صورٌ وذكريات… والحمدلله على ذلك.
ولهذا أعود إلى مأواي الأول والأخير… الصورة. قد يقول أحدهم إنّ التصوير في وقت الحزن قلّة ذوق. شخصياً اختلف، لأنني اعتقد الصورة من أصدق ما يمكن أن نعالج به الفقد. ففيها نُمسك ما يكاد يفلت منّا، ونمنح الوجع شكلاً نقدر على حمله، ونقول لمن رحل ما عجزنا عن قوله في وجهه. وفي رؤية صور المسجد، وصور الدفن، وصور لحظاتٍ لم أكن حاضرة فيها، استطعتُ أن أتقبّل حقيقةً واحدة: رحل أبي إلى جوار ربه.
بعد أيام طلبت من زوجي وأخي أن يلتقطوا صورةً لقبر والدي حين يزوروه. أريد أن أرى الصورة بنفسي. أن أحمضها لوحدي. عاد زوجي وبيده الكاميرا، ولم يكن أحدٌ منّا يعرف إن كان الفيلم سيُحمَّض أم لا من شدة أشعة الشمس. انتظرتُ أسابيع. وحين وجدت نفسي في غرفة التحميض، ادعي من كل قلبي ظهور الصورة… ظهرت وانكسرت ودمعت من جديد... هذه الصورة، صورة قبره، هي آخر صورة له، تحمل عندي قيمة لا تقدَر بثمن. قد ينظر إليها كثيرون فلا يرون غير قبرٍ كأيّ قبر، أمّا أنا فأعرف أنّه أبي رحمه الله.
والصور، في النهاية، هي ما يُبقي ذكرياتنا حيّة. كم من جمالٍ فيها: وجوهٌ أحببناها، ولحظات فرحٍ كنّا فيها حاضرين، نعيش اللحظة لا نراقبها. وهذا أيضاً ما تُذكّرني به الصورة: أن أكون هنا، ألّا أقف طويلاً عند الفقد بل أتعلّم منه. انظري إلى الفرح الذي كان لنا حين كنّا نعيش تلك اللحظة. وأنا الآن أبحث عنه، عن ذلك الحضور، بحثاً عميقاً.
ولستُ أوّل من لجأ إلى الصورة على هذا النحو. في زمننا هذا مصوّرةٌ يونانيّة اسمها يوانّا ساكيلاراكي، فقدت أباها فجأةً، فعادت إلى اليونان لا لتصوّر الموت نفسه بل لتبني للحزن لغةً بصريّة. صوّرت آخر النائحات المحترفات في شبه جزيرة ماني، ثمّ نسجت في عملها أرشيف أبيها المصوَّر بالتطريز مع أمّها.
سمّت ما تشعر به «الحزن المستحيل على أبي، الذي لم يأتِ بعد»، وحين قرأتُ هذه العبارة عرفتُ فيها نفسي: هي أيضاً أعادها موت الأب إلى أرضٍ غادرتها، ووجدت أنّ الصورة لا تستعيد الذاكرة بل تعيد بناءها. تقول إنّ الموت والتصوير كليهما يوقفان الزمن بأن يُربكا الذاكرة، وهذا تماماً ما أشعر به: أنّ صورة القبر لا تخبرني بموته فقط، بل تُبقيه معلّقاً بين أن يكون حقيقةً وأن يبقى حلماً. للأسف لا يمكنني إن أعرض صورها هنا بسبب حقوق النشر، لكنّ مشروعها الحقيقة في التراب متاحٌ على موقعها لمن أراد أن يراه بنفسه: ioannasakellaraki.com.
وأنا في برلين، والمسافة هي لبّ المسألة. أبي مدفونٌ في مقبرة الشمال بالرياض، وبيني وبين قبره طائرة وحدود.والعزاء، كما عرفته الأجيال قبلي، كان له مكان: البيت، والمجلس، تذهب إلى الموضع، وتجلس بين أهلك، وتتلقّى العزاء وجهاً لوجه. أمّا هذا الموضع فبعيدٌ عنّي، حتى إنّ حزني انفصل عن مكانه. ولأنّه انفصل عن مكانه، بحث عن مكانٍ آخر، فصار في غرفة التحميض، وفي الصور التي أنقلها من جهازٍ إلى جهاز، وفي ما أكتبه وأنا بعيدة. لم أختر هذا الشكل، بل اختارته لي المسافة: الميّت في أرض، والحزن في أرضٍ أخرى.
وفي الغربة ما هو أبعد من بُعد القبر. فقد اكتشفتُ أنّني، منذ رحيلي، صرتُ أنعى نفسي أيضاً. أنعى ذكرياتي ومن كنتُها قبل أن أرحل. فحين تترك كلّ ما عرفته، يتغيّر كلّ شيء؛ الوجوه التي كبرتَ بينها، والناس الذين عرفتهم. ومنذ أن غادرتُ، رحل كثيرٌ ممّن أحببت: من الأهل وأصدقاء أعزّاء، والآن أبٌ. فمن أكون؟ أنعى في أرض لم أكبر فيها، فيزداد الأمر التباساً.
كنت أظن هذا نقصا، ثمّ فهمتُ أنّ المتغيّر هو المكان لا الحاجة. يقولون إن الحزن ينتهي حين “نتجاوز” الراحل، وما صدّقتُ هذا يوماً؛ فالراحلون لا يغادرون دفعةً واحدة، بل نحملهم معنا بأشكال جديدة.
ولماذا نخفي مشاعرنا بعضنا عن بعض؟ أنخاف أن نُحاكَم؟ أن يُسخر منّا لأنّنا نشتاق إلى أحد؟ وألّا نبكي على فقد. أيّ قسوة ذلك؟ أنا مع التعبير، ولو لم يكن هناك من يسمع؛ يكفي أن تفعله من أجل نفسك.
غير أنّ هناك عقدةً لا أريد أن أتجاوزها بصمت: حين يصير الحزن علنيّاً ورقميّاً، يراودني خوفٌ أعرفه جيداً؛ أن يتحوّل الاعتراف إلى أداء، وأن أبدأ في ترتيب وجعي بما يليق بالنظر إليه. أراه في كلّ مكان: الفقد مختصراً في منشور، والصورة تُلتقط للآخرين أكثر ممّا تُلتقط للراحل. وقد اقتربت يوانّا ساكيلاراكي من هذا الحدّ نفسه حين صوّرت آخر النائحات المحترفات في ماني؛ بكاءٌ حقيقي، لكنه يُؤدَّى أمام الآخرين أيضاً.
وحين أنشر هذه الصور، أسأل نفسي السؤال: هل أشهد على فقدي... أم أحوّله إلى مادّة؟
وهاتان آخر صورةٍ تجمعنا، جنباً إلى جنب: على اليسار قبره... وعلى اليمين أنا، في ثياب تركها. بيننا كل المسافة: أرضٌ وأرض، حاضرٌ وغائب، هو وأنا. ومع ذلك يضعنا الإطار معاً كما لم يعد ممكناً أن نكون.
حين أنظر إليها، لا أجد جواباً لذلك السؤال.
لا أملك جواباً واضحاً… لكنّي أعرف الفرق، أو أحبّ أن أظنّ أنّني أعرفه، بين أن أؤدّي الحزن وأن أعترف به. وما دمتُ أكتب، وأحمّض، وأبكي في عتمة غرفةٍ لا شاهد فيها، فالأمر بيني وبين نفسي، وبيني وبين أبي. أمضي إليه عن قصد، لأنّ البديل هو أن أدفن ما بقي منّي معه.
فما دمتُ ألتقط الصور وأحمّضها، فهناك طريقةٌ نبقى بها معاً… لا عند القبر الذي لم يكن لي أن أقف عنده، بل هنا، في الضوء المحبوس على الورق...






رحمة الله عليه وعلى الاباء العظماء بقدر شوقنا لهم
أولا : الله يرحمه ويسكنه فسيح جناته يارب العالمين موتاكم وموتانا وموتى المسلمين والمسلمات أجمعين .
ثانيا : كلام جميل ورائع وشرح حلو وسرد يهبل .
ثالثا : بالعكس صورة 📷 القبر ليست للذكرى هذا هو الحب ولعل سبب في دعاء كل ما لهتنا الدنيا .
رابعا : الحزن والشوق والحب والذكرى أحاسيس غصب عنا نظهرها أو نخفيها.
خامسا : مدري وش لقفني أفتح أشعارك وأقرأ تذكرت أبوي وحارت الدمعة في عيني آخر ما أتذكر أني حبيت جفن عينه وأبتسمت في وجهه وقلت بيض الله وجهك ما قصرت معنا .
سادسا : يا ألمانية أنتي خربتي جو سيجار وموسيقى وخلوه .. صورتك كنها اللي في باب حارة يبيع خضار 😜😆 دب قصير .