رحلة لم تنتهِ
بين دفتر بلنت ودفتر أويتنغ: كيف تُصنع صورة مكان
في شتاء ١٨٧٩م، قطعت الليدي بلنت ألفي ميل من بيروت إلى حائل على ظهور الإبل في حين والخيل في حين آخر، مروراً بالجوف والنفود. حفيدة اللورد بايرون، عازفة كمان، رسّامة منذ طفولتها، ومربّية خيل. تُعدّ أول امرأة أوروبية تصل وسط الجزيرة العربية. ومن المهم التنويه أن قبلها جاء ثلاثة رجال في نفس الفترة الزمنية: والين وقارماني وبلغريف. جميعهم كانوا متنكرين وفي مهمات استخباراتية. تركوا تقارير ولم يتركوا صوراً. أما هي فتركت الاثنين في كتابها.
في الحقيقة، ما يشغلني ليس رحلتها بحدّ ذاتها على غنى تفاصيلها. ما يشغلني هو ما صنعه الكتاب بعد نشره. لأن الكتاب الذي يوثّق مكاناً ينتج أيضاً مخيّلة عن ذلك المكان. وللمخيّلة عواقب حقيقية: رحّالة جاؤوا بعدها يحملون ما صوّرته في رؤوسهم، ومؤرخون يستشهدون بملاحظاتها عن الخيل وعن زياراتها كمصدر.
محطتها الأولى كانت الجوف، وهناك كانت ترسم ليلاً. تكتب: «الآن نحن في هدوء، خارج القلعة التي أُغلقت لليل، وبات بإمكاننا أن نكتب ونرسم على ضوء القمر، وهي أشياء لا نجرؤ على فعلها في النهار.» وأرى ذلك أنه لم يكن تجسّساً. من حولها لن يرحّبوا بتصويرهم، وللصورة ثقلها في ذلك السياق. فكانت تنظر طوال النهار وترسم من الذاكرة بعد حلول الظلام، خارج الأسوار.
وحين وصلت حائل أمضت أياماً في قصر الأمير وإسطبلاته. الخيل هي الحالة الأوضح لما صنعه الكتاب. كتبت تقييماً فنياً لكل فرس على حدة: ميل الكتف، عمق الصدر، حركة الذيل، جودة العرقوب. لم تكن هذه رسوماً يعيد إنتاجها حفّار في باريس. كانت لغة مربّية، دقيقة ومجسَّدة، وبقيت بكلماتها هي. على أساس هذه الملاحظات اختارت هي وويلفرد الخيل التي أسّست إسطبل كرابيت في إنجلترا. أكثر من تسعين بالمئة من الخيل العربية الحيّة اليوم تحمل سلالات كرابيت.
بعدها بأربع سنوات زار الرحّالة الألماني يوليوس أويتنغ نفس المنطقة، وسبحان الله بنفس الطريق تقريباً، لكن ظروف الرسم كانت مختلفة تماماً. في الجوف رسم القصر نفسه الذي لم ترسمه الليدي بلنت إلا من الذاكرة ليلاً، لكنه رسمه بالألوان المائية من الموقع مباشرة في وضح النهار. وفي حائل رسم وجوه أشخاص بأسمائهم، ورسم العمارة من الداخل: القهوة الكبرى بزخارفها وخطوطها العربية، البئر بآلياته، الأزقة بظلالها. دفاتره أرشيف بصري كامل تقريباً.
ومن المواقف التي تستوقفني (لأن تخيّل الموقف نفسه مضحك) أن الأمير طلب من أويتنغ أن يُريه رسوماته حينما رآه يلتهي بقلمه. بعدها قال إن رسم الأشخاص أمر محرّم. تفاجأ الرحّالة وردّ عليه بأن هذا ليس الحال في بلاده. فأجابه الأمير: «لكنك لست في بلادك.» وبالمقابل، الليدي بلنت لم يقل لها أحد شيئاً من هذا القبيل.
الطريف ومن سخرية القدر أحياناً أن أويتنغ، الذي رسم في وضح النهار ووُبّخ عليه، أنتج سجلاً بصرياً أدق بكثير. لكن رسوماته بقيت حبيسة دوريات أكاديمية ألمانية لم يقرأها الكثير (صحيح، تُرجمت كتبه لاحقاً، لكنها ليست بوسع انتشار كتاب بلنت). أما هي، القليل الذي رسمته من الذاكرة ليلاً وبملامح أقل وضوحاً، فأعاد رسمها فنانون في باريس ولندن لم يزوروا الجزيرة قط ولم يروا إبلاً في حياتهم على الأرجح: فوييه للطبعة الفرنسية، برانيشنيكوف لطبعة أخرى، باربان لحفر الألواح. ومن هذه المخيّلة الاستشراقية الجماعية تمسّكت هذه الصور بالمخيّلة الأوروبية.
داوتي قرأ كتابها قبل رحلته… وأيضاَ غيرترود بلل.. فعلى سبيل المثال… حين وصلت بل إلى حائل عام ١٩١٤ كانت تدخل مكاناً رأته قبل أن تصل إليه. وحين تُرجم الكتاب إلى العربية، جزئياً عام ١٩٧٦م بإشراف الاستاذ حمد الجاسر-رحمه الله- وكاملاً عام ٢٠٠٤، صار مصدر من مصادر المنطقة.
أما عن دفاتر أويتنغ… فهي صدقاً تستحق وقفة طويلة، وسأعود إليها في مقال قادم بإذن الله.
ما أفكّر فيه وأنا أقارن هذين الدفترين ليس سؤال من جاء أولاً، بل سؤال أعتقد أنه أهم. ها نحن هنا ننظر إلى مجتمعات بأكملها من خلال عيون أشخاص لا ينتمون لنسيجها الاجتماعي، وهذا يستدعي اجتهاداً حقيقي في القراءة. لأن ما نراه ليس المكان كما كان بل المكان كما رآه شخص بعينه، بدوافعه وأدواته وأسئلته.
مع أويتنغ أعتقد والله اعلم أن الدافع واضح نسبياً: عالم نقوش جاء يبحث عن نصوص قديمة ورسم ما صادفه في الطريق. أما مع الليدي بلنت فالسؤال يستحق التوقف: هل كان الكتاب نتيجة ثانوية لرحلة مربّية خيل تبحث عن سلالات أصيلة؟ أم أن الرحلة نفسها كانت مادة لمشروع نشر؟ ومن اللافت أن السردية التي وصلتنا تُقدّمها كرحّالة منفردة، بينما زوجها ويلفرد كان معها طوال الرحلة وشارك في تحرير الكتاب، وهو أمر تذكره هي صراحةً لكنه يغيب عن كثير مما كُتب عنها لاحقاً.
ربما لا يوجد جواب واحد. وربما ليس المطلوب جواباً بقدر ما هو طريقة نظر: مقارنة هذه السجلات ببعضها، الرسوم بالنصوص والنصوص بما تركه آخرون عن نفس الأمكنة، وفهم أن كل يد مرّت على هذا السجل، من الحفّار الذي لم يزر المكان إلى الناشر الذي حرّر النص إلى المترجم الذي أضاف «تعديلات»، تركت فيه أثراً. ما نراه في النهاية ليس المكان. إنه طبقات من النظر.
والرحلة لم تنتهِ.














مقال رائع يا غادة. تأمل ثقافي وتاريخي عميق، وطرح بديع للسؤال عن طبقات النظر وصناعة الصورة. شكراً لك على هذه الرحلة.