من الصدى إلى الصورة
تأمل في الذاكرة حين تُرى، وتُتداول، وتُضحكنا
أهلا وسهلاً بالجميع!
وبشكل أخص: شكرًا لكل من يتابع المدونة!! وصلنا إلى ١٠٠٠ قارئ، وبودي أن اقول شكرًا لكم من أعماق قلبي. يعني لي الكثير أن أتمكن من التواصل معكم. شكراً لكم على هذه الفرصة وعلى ثقتكم!!
من يتابع المدونة يعرف أن خلال الأسابيع الماضية، لم أكن منغمسة في العمل الأرشيفي كما اعتدت. احتجت أن أبتعد قليلًا، لأبحث عن الشظايا. الأرشيفات تدعو إلى القرب وتكافئ العمق، لكن أي شخص عمل عن كثب مع الصور يعرف أن القرب المفرط قد يحجب أحيانًا المنطق البصري الأوسع، ويجعل الرؤية الكلية أقل وضوحًا. لذلك خلال عطلة الأسبوع الماضي، اتخذ هذا الابتعاد شكلًا عاديًا جدًا. قضيت ساعات أتصفح إنستغرام (بصراحة وقت غير منتج، وغير جاد - ولا اندم عليه لأن المرء يحتاج أن يكون سخيف أحياناً)
وجدت نفسي أضحك على ميمز تشير إلى الأندلس، والجاهلية، ولحظات من التاريخ الإسلامي. والأجمل أنني لم أكن وحدي. كان قسم التعليقات مليئًا بأشخاص من أماكن وخلفيات مختلفة، وكلهم يفهمون المرجع فورًا. لا شرح، ولا حاجة لتفسير إضافي. فقط إحساس مشترك بأننا نفهم الشيء نفسه.
ومع كل ميم، بدأت ألاحظ شيئًا آخر. لم أكن أضحك فقط، بل كنت أتابع ذاكرة تتحرّك. ذاكرة لا تقدم كدرس، بل تظهر بشكل خفيف، عابر، وقابل للمشاركة.
هذا الإحساس كان مختلفًا تمامًا عن الطريقة التي اعتدنا أن نرى بها التاريخ العربي، حيث يظهر غالبًا مسطّحًا أو محمّلًا بمعان جاهزة، وأحيانًا مختزلا إلى صورة معينة. والحقيقة، لطالما اشغلتني هذه الفجوة: بين كيف نرى أنفسنا، وكيف نتذكر تاريخنا، وكيف يُقدَّم بصريًا للآخرين. لكن هنا، في هذه الميمز التي لا تدعي الجدية، كان هناك شيء آخر يحصل. المعنى كان ينتقل من شخص لآخر دون وسيط، ودون خطاب فوقي. التعرف كان بسيطًا، ومن الداخل.
وفي عالم يبدو متوترا ومجزأ في نفس الوقت، كان من اللافت أن أرى هذا النوع من التواصل يحدث. أشخاص مختلفون يضحكون على الإشارات نفسها، ويتعرفون على الرموز ذاتها. لا لأنه طُلب منهم ذلك، بل لأنه حدث بشكل طبيعي. وهذا ما جعلني أتوقف وأسأل نفسي: لماذا يبدو هذا النوع من الاتصال مهمًا الآن، وربما أكثر من أي وقت مضى؟
لفترة طويلة، عاشت علاقتنا بالتاريخ العربي أساسًا من خلال الذاكرة الشفهية. كانت القصص تسمع، وتستوعَب، لكن نادرا ما كانت ترى. الماضي حاضر كصوت، وكإحساس أكثر منه كشكل أو صورة. وكان المعنى يورث حتى في غياب وسيلة واضحة لتصوره بصريًا. ومع مرور الزمن وانتاج الكتب، لعبت الطباعة دور في تثبيت هذه الصور. شخصيات صيغت بحجم أكبر من الحياة، نقلت إلينا بقدر من المثالية والقوة جعلها تبدو بعيدة المنال. يصورون بأنهم أفضل منا وأكمل، وبالتالي يصعب الوصول إليهم.
لهذا كانت اللغة مهمة إلى هذا الحد. قبل أن تدخل الصورة إلى المشهد، كانت العربية نفسها قادرة على خلق صور. بالإيقاع، والاستعارة، والتكرار، والصوت، كانت الكلمات تصنع مشاهد في الذهن وتخلق إحساسًا مشتركًا حتى بين أشخاص لا يعرفون بعضهم. لم يكن الشعر تزيينًا للتاريخ، بل إحدى الطرق التي انتقل بها، وسمح للناس أن يتخيّلوا معًا قبل وقت طويل من أن تجعل الفوتوغرافيا والسينما، أو المطبوعات، الصورة سهلة الانتقال. أتذكّر هنا ما كتبه والتر أونغ عن النقل الشفهي، حين أوضح أن الثقافات الشفهية تعتمد على التراكيب المتكررة والبُنى الإيقاعية لا بوصفها جماليات، بل كتقنيات للذاكرة. في غياب التدوين، كانت هذه الأنماط تجعل المعرفة قابلة للحفظ والنقل، وتمنح الكلمة المنطوقة دورًا يتجاوز الوصف إلى المساهمة في تشكيل الواقع نفسه، وفي بناء الأرضية التي تقوم عليها الذاكرة الجماعية.
هذا المنظور يعقد النقاش المتكرر حول من هو “العربي”، وهو نقاش كثيرًا ما يتأرجح بين التعريفات العرقية وسياسات الهوية. في كثير من الأحيان، يُفترض أن صورة “العربي” كانت دائمًا الرابط الأساسي بين الناس. لكن ما يجمعهم فعليًا لم يكن صورة ثابتة أصلًا، بل فضاءً تخييليًا مشتركًا خلقته اللغة. لم يكن الدين وحده، ولا النسب فقط، بل قدرة الكلمات على تصوير التجربة وجعلها مفهومة ومتبادلة بين الناس، حتى في غياب صورة واحدة جامعة.
ولفترات طويلة من التاريخ، كان للتصوير نفسه ثقل خاص، إذ ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالتقديس. وكان ذلك مفهومًا في عصور كانت فيها الصور نادرة، ومهيبة، وتحمل سلطة كبيرة. حين كان شيء ما يُرى (خاصة إذا حمل دلالة رمزية) كان يستدعي التبجيل تلقائيًا. الصور لم تكن محايدة؛ كان فيها قوة، ومع هذه القوة جاء الميل إلى التعامل معها بوصفها أمرا يسلّم به أكثر مما يسأل عنه. اليوم، تغيّرت هذه العلاقة تماما. نعيش في عالم مشبع بالصور، لكنه يمتلك في الوقت نفسه ثقافة بصرية جداً مختلفة. بعد سنوات طويلة من التعرض، والنقد، والتمثيل المضاد، أصبحنا أقدر على التمييز بين الصورة والواقع، وبين التمثيل والحقيقة.
سوزان سونتاغ أشارت إلى أن التعرض المتكرر للصور لا يبلدنا بالضرورة، بل يدربنا على رؤيتها بشكل مختلف. نطور ما يمكن تسميته الكفاءة البصرية، وهي القدرة على النظر عبر الصور وفهم معانيها العميقة. وهذا مهم على نحو خاص لمجتمعات جرى تمثيل تاريخها عبر عدسات الآخرين. فالأرشيف ليس محايدًا أبدًا؛ كل صورة، وكل إطار، يحمل سياسة إنتاجه. وتعلّم رؤية ذلك هو بحد ذاته شكل من أشكال الاستعادة.
وبسبب هذا التحول، يحدث أمر لافت: الفجوة البصرية في التاريخ العربي الموثق. الصور المفقودة والمشاهد الغائبة، والاعتماد على الوصف الشفهي. لا تُسد عبر إعادة بناء مثالية، بل تعالَج ببطء من خلال التراكم. وهذا ما أعنيه عندما أكتب عن الشظايا. فهي قطع تتحدث إلى بعضها عبر الزمن: سطر شعر، صورة أرشيفية، ميم، عبارة متذكّرة، نكتة بصرية. لا يدعي أي منها الاكتمال، لكن اجتماعها يخلق مجالًا قابلًا للتعرّف.
فمن يعمل مع الأرشيفات يعرف هذا جيدًا. الأرشيف لا يمنحنا حقيقة كاملة، بل شبكة معقدة. والفجوات في الشبكة نفسها تفتح مجالًا لعمل إبداعي خلال بناء كوكبات من المعنى مما بقي من الشظايا، ومما نواصل توليده في الحاضر. وهذه الشظايا لا تساعدنا فقط على فهم بعضنا البعض، بل تسمح لنا بالتعرّف إلى أنفسنا. محليًا نحن مختلفون، قد شكّلتنا الجغرافيا، واللهجة، والتجربة. لكن بلا وعي، نتشارك ربما في طرق الرؤية وهذا النوع من المشاركة لا تفرض لكن تحس.
كثيرًا ما وصفت الهوية العربية كظاهرة صوتية أو صدى. وغالبًا ما تستخدم هذه الاستعارة بنبرة نقدية. لكن يمكن أيضًا قراءتها بوصفها دلالة على الاستمرارية. فالصدى لا يوجد إلا لأن شيئا ما قيل ذات يوم، ولأن هناك مساحة للصوت كي يسافر.
وهنا من الجدير أن نذكر عمل يان أسمان على الذاكرة الثقافية. فهو يميز بين الذاكرة التواصلية، التي تعيش ضمن بضعة أجيال وتُنقل عبر التفاعل المباشر، والذاكرة الثقافية التي تُؤسَّس عبر النصوص، والطقوس، والرموز، والقادرة على الامتداد لآلاف السنين. ما يحدث اليوم في الفضاءات الرقمية يبدو وكأنه تداخل بين الاثنين: ذاكرة ثقافية تتحرك بسرعة ودفء الذاكرة التواصلية. الصدى لم يعد بعيدًا: صار فوري، تشاركي، متجدد باستمرار.
بهذا المعنى، الصدى ليس فراغ، بل استمرارية. فالمعنى لا يبقى دائمًا من خلال إعادة الاختراع المستمرة، بل أحيانا من خلال التعرف. وما نشهده اليوم هو تحويل الذاكرة إلى ميمز. الميمز ليست إلهاءات عن التاريخ، بل ممارسات بصرية معاصرة. أفعال صغيرة ومكثفة من التعرّف، تسمح للناس بالقول: أرى هذا، وأعرف أنك تراه أيضًا.
هذه أصداء حديثة، تقوم بشيء هادئ لكنه جذري. بوضع المراجع التاريخية والنصوص الموروثة في فضاءات غير رسمية وتشاركي، تفكك الميمز سلطة الصور التي لا يمكن المساس بها. تعيد المقياس الإنساني إلى التاريخ، وتسمح للتبجيل بأن يتجاور مع الفكاهة، وللجدية بأن تتعايش مع الألفة. الميمز هذه تعتمد على ثقافة مشتركة، وعلى جمهور طليق في الرموز البصرية والنصية التي تجعل النكتة تنجح، والمرجع يلمع، والعاطفة تتردد أصداؤها.
وبصراحة لا أرى الموضوع به من الحنين ولا استخفاف بالماضي، لكن اجده مثير للاهتمام كيف هذه محاولة لجعل المعنى قابلًا للاستخدام. ها نحن نجمع الشظايا لا بحثا عن صورة مثالية، بل لفهم بعضنا البعض بوضوح أكبر. من خلال ذلك، لمعرفة أنفسنا على نحو أعمق.
تلك الصورة المشتركة هي ما يستمر في إبهاري (وبعض الأحيان إضحاكي).


