جمعة مباركة جميعاً…
غبتُ أكثر مما كنتُ أنوي، وأعتذر عن ذلك. قد تدخّلت الحياة بطرق لا أرغب في سردها، لكنني أجد نفسي أعود إلى ملاذي الأول وهي الكتابة. وبكل صدق، أكتب هذا ليس لنفسي وحدي، بل لجميع من يجلس مع ألمهم بصمت، غير عارفين أين يضعونه. أعرف هذا الشعور. أعرف كيف يضيق الحزن، كيف يضغط على الجسد، وكيف يمكن أن يكون معزولًا.
هذا الحزن…
تأتي نهاية العام دائمًا محمّلة بشيء من التوقّع غير الواضح. كأن هناك طلبًا صامتًا بأن نتوقّف قليلًا، أن ننظر إلى الوراء، وأن نحاول فهم ما الذي مررنا به. أحيانًا يكون ذلك تلقائيًا، وأحيانًا يبدو مفروضًا، لكننا في الحالتين نجد أنفسنا نراجع: ما الذي أخفق؟ ما الذي نجح؟ ما الذي خسرناه؟ وما الذي كسبناه؟ اختبار لم ننجح فيه. وظيفة حصلنا عليها أخيرًا. شخص دخل حياتنا، وآخر خرج منها.
تتحوّل هذه التفاصيل إلى علامات. نضعها أمامنا، واحدة تلو الأخرى، ونأمل أن تشرح لنا العام، أو أن تمنحه تقييمًا ما. لكن الحقيقة هي أن الحياة لا تتحرّك بهذه الطريقة. نحن لا نمشي على خطّ مستقيم. الحياة تدور. تعود. تمرّ بالأماكن نفسها، حتى عندما نكون مقتنعين أننا تجاوزناها.
في هذا السياق، يأتي في بالي سيزيف من الأساطير الإغريقية. لم يُعاقَب لأنه تألّم، بل لأنه رفض النهاية. كان ذكيًا وماكرًا إلى حدّ حاول فيه التحايل على الآلهة وعلى الموت نفسه، مؤمنًا أن الذكاء قادر على تأجيل الفقد أو تفريغه من معناه. فجاءت العقوبة مرآة لخطئه: لم يُحكم عليه بالموت، بل بفعل لا يصل إلى خاتمة. أُجبر على دفع صخرة إلى أعلى جبل، وكلما اقترب من القمّة سقطت الصخرة وعاد من جديد. لم يكن الألم هو العقوبة، بل التكرار. حياة بلا نهاية لأن صاحبها رفض أن يقبل النهاية.
ولعل ما يجعل قصة سيزيف قريبة منا، أننا نرى هذا الميل في أنفسنا أحيانًا. نحن نتعلّق بالصور بالطريقة نفسها. نتمسّك بنسخ متخيّلة من أنفسنا، بمستقبل ظننّاه ممكنًا، بلحظة أردنا تمديدها أكثر مما تحتمل. نعتقد، في قرارة أنفسنا، أن التفكير المستمر، أو التذكّر، أو الإعادة، قد يمنع شيئًا من الانتهاء. لكن العقوبة — بهدوء — تكون التكرار. العودة. الثقل الذي يتدحرج كل مرة لأننا لم نسمح له أن ينتهي.
ما يجعل هذا قاسيًا ليس الثقل وحده، بل أن لا شيء يبقى منجزًا. كل ما نفعله يعود إلى نقطة البداية.
وهكذا أشعر أن الحزن يعمل. نظن أننا حملناه بما يكفي. نظن أننا تعلّمنا كيف نعيش معه، أو حوله. ثم، في لحظة عادية تمامًا، يعود. بلا مقدّمات. بلا دراما. يعود ويجلس في المكان نفسه، ويذكّرنا بالألم كما لو أننا لم نتقدّم خطوة واحدة. وفي الحقيقة، نحن نعرف هذا النوع من التكرار. الحياة ليست مكانًا تُحلّ فيه الأمور مرة واحدة وإلى الأبد. المعاناة ليست استثناءً، بل جزء من البنية نفسها. يأتي الفرج، نعم، لكن لفترات قصيرة. الراحة دائمًا مؤجّلة.
وهناك نوع آخر من القسوة، أكثر هدوءًا، في الصراع الداخلي الذي لا ينتهي. تعمل على خوف ما، أو فقدان، أو حتى أمل. تظن أنك تجاوزته، ثم تلتقي به مرة أخرى بعد زمن، وقد تغيّر شكله قليلًا، لكنه لا يزال مألوفًا في ثقله. ليست المهمّة أن نهزمه نهائيًا، بل أن نواصل دون أن نسمح له بأن يفرغنا من الداخل. وهذا بحد ذاته مُرهق.
الكثير من هذا يحدث داخلنا. نحن لا نتألّم فقط مما يحدث، بل مما نعيد تشغيله في أذهاننا. نفكّر كثيرًا. نعود إلى لحظات لا يمكن إصلاحها. عقولنا قادرة على جعل أشياء غائبة تبدو حاضرة تمامًا. وننسى أن العقل لا يعمل بمعزل عن الجسد. الإرهاق، المرض، الحزن، الألم — كلّها تؤثّر في تفكيرنا. الجسد لا يعنيه أن العام قد انتهى. الزمن مفهوم صنعناه نحن، لذلك لا يعيد الجسد ضبط نفسه لمجرّد أن التقويم تغيّر.
لماذا هذا الموضوع؟ ولماذا الآن؟
بالنسبة لي، اتخذ الحزن شكل صورة. صورة صنعتها، ثم عشت معها فترة طويلة. لا أستطيع أن أقول ما هي (هي خاصّة جدًا وأفضّل أن تبقى كذلك) لكنني أعرف أثرها. تعلّمت أن أتعامل معها، ومع ذلك تعود أحيانًا دون إنذار. تجلب مشاعر لا تتناسب مع اللحظة التي أعيشها. تجعلني أشعر، في بعض الأحيان، وكأنني دائمًا متأخرة خطوة عن نفسي. هناك، أجد نفسي حزينة، كأنني مأخوذة أو مسكونة بصورة خلقتها يومًا ما.
الصور في الذهن يمكن أن تكون قويّة إلى هذا الحد. بقوّة الصور الفوتوغرافية نفسها. تثير إحساسًا حقيقيًا حتى عندما لا يبقى شيء ملموس نشير إليه. الخيال سلاح ذو حدّين؛ قد يدفعنا إلى الأمام، وقد يجرّنا بهدوء إلى الحزن، إلى مساحة نغرق فيها داخل أفكارنا.
هنا يحضر رولان بارت إلى ذهني. بعد وفاة والدته، لم يحاول أن يشرح الحداد أو أن ينظّمه. في كتابه Camera Lucida، اقترب من الصور، لأن الفقد استقرّ هناك بالنسبة له. الصورة، كما يقول، تؤلمنا لا لأنها تذكّرنا بالماضي، بل لأنها تثبته. تقول ببساطة: هذا كان موجودًا. وبما أنه كان موجودًا، فهو غائب الآن. ينهار الزمن، ويجتمع الحضور والغياب في لحظة واحدة.
وليس المشهد كاملًا هو ما يصيبنا، بل تفصيلة صغيرة. نظرة، أو وضعية، أو حركة لم نقصد أن نلاحظها. يسمّي بارت هذا الـ punctum أو في العربية النقطة وهي تلك التفصيلة التي تصيب الجسد قبل العقل.
وهكذا يعود الحزن. ليس كقصة نرويها لأنفسنا بوعي، بل كصور تظهر فجأة، في لحظات لا نكون مستعدّين لها، حين يصبح العقل أحيانًا خصمًا لا حليفًا. وما يلفتني في بارت ليس فقط ما كتبه، بل ما اختار ألا يشاركه. الصورة التي كانت تعني له أكثر من غيرها (صورة والدته وهي طفلة) لم يُظهرها. وصفها، لكنه احتفظ بها لنفسه. بعض الصور، وبعض أنواع الحزن، تفقد صدقها لحظة انكشافها. ومع كل هذا، يبقى هناك نوع من الحزن لا يشبه الفقد المباشر، ولا الصورة وحدها. حزن لا ينكسر فيه شيء أمام أعيننا. فقط إدراك بطيء أن صورة ما بقيت أطول مما ينبغي، وأنها بدأت تأخذ أكثر مما تعطي.
وهنا تأتي قصة النبي أيوب والتي تذكرني بأن الصبر ليس حلًّا، بل حضورًا؛ البقاء مع الشيء بينما لا يزال بلا حلّ. في قوله تعالى:﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، فلم يكن يطلب رفع الضرّ، ولا نهاية فورية للألم، بل كان يلتمس الرحمة. ثم يأتي الجواب من الرحيم: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾. وكأنه تذكيرًا بأن الاستجابة جاءت بعد الاعتراف، وبعد الصبر، وبعد البقاء في الألم دون إنكار. الرحمة سبقت الحل، وكانت هي المعنى قبل أن تكون النتيجة.
وربما هذا كل ما نحتاجه نحن أيضًا لنستطيع المضيّ قُدمًا؛ لا أن يختفي ما يؤلمنا فورًا، بل أن يُحتوى. أن نُعامَل برفق. أن نُحبّ، وأن نُظهر الحبّ، وأن نمارس الرحمة. مع أنفسنا أولًا، ومع غيرنا، ومع ما لا نستطيع تغييره بعد.
ربما لم تأتِ نهاية العام لتمنحنا إغلاقًا. ربما هي فقط تكشف ما لا يزال موجودًا. ما يستمر في العودة. ما نحمله، حتى عندما لم نختر حمله.
الصخرة تتدحرج إلى الأسفل.
ومع ذلك، نبدأ من جديد.
ليس لأننا متأكدون من شيء،
بل لأن الاستمرار، ببساطة، وبنقص، وبإنسانية، هو أحيانًا كل ما نعرفه.






شكرًا لك، استمتعت بالقراءة. لعل أحد الأفكار التي يمكن أن تقلل من حزننا، هو معرفة ما نمتلكه من مواهب ونعم ورحمة. موهبتك في الكتابة وهذا العمق في الطرح، واستشهادك ببعض الكُتّاب وبعض القصص، هو إبداع، هو نعمة جميلة، يمكن أن يطغى على حزنك في لحظة. لنستشعر النعم، لنتذكر أن الرحلة في هذة الحياة لا تؤدي للسعادة مهما ركضنا واجتهدنا، إنما يمكن أن نكون مطمئنين لما نفعل وما نسعى من أجله. ومهما كان لن نطمئن إلا بمشيئة الله سبحانه، لابد أن نتوكل عليه ونذكره في كل خطوة نخطوها. قال تعالى: "ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوب" …. ولن نصل إلى ما نريد من طمئنة أو عمل إلا أن شاء الله. "وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيۡءٍ إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا *
إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا"
شكرًا لك على هذة المقالة الرائعة.
سرد جميل جداً وقراءة عميقة في معاني الصبر على الألم. تذكرت مقولة ابن رومي:" في التخلي، تجلّي). ❤️