بيت الله الحرام (1938)
مقاطع أرشيفية مبعثرة تعيد رسم ملامح الحج قبل ثمانين عاماً
هناك مواد أرشيفية تظهر لنا فجأة كأنها نافذة مفتوحة على زمن بعيد، والمقاطع التي أشاركها هنا جزء من فيلم أطول صُوّر عام 1938م عن الحجّ. للأسف هي ليست المادة كاملة، بل أجزاء متفرقة نجت من الزمن، لكنها كافية لرؤية عالم لم تبق منه سوى الصور والذكريات.
اللقطات من إنتاج فريق مصري كان يعمل تحت استوديو مصر التي كانت من أهم استوديوهات المنطقة في الثلاثينيات، معروف بقدرته التقنية العالية وتصويره لأعمال وثائقية ورحلات ميدانية إلى بلدان عربية وإفريقية.
وقبل لا نبدأ - وجب شكر Orchard Clips لإتاحة هذه المقاطع بجودتها الأصلية، وما تمنحه من فرصة لإعادة قراءة الحجّ ومناظر في الحجاز من منظور بصري لا نحصل عليه كثيراً.
هذه ليست قراءة للفيلم بقدر ما هي قراءة للّقطة نفسها: ما تكشفه الحركة، وما تخفيه الزاوية، وكيف تتحوّل المدن والشعائر عندما تُرى في لحظة بعيدة كهذه.
يفتتح الفيلم ببطاقات تصف من شارك في انتاج الفلم، ثم ينتقل مباشرة إلى مشهد نادر للملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- جالساً على أريكة في فناء مفتوح، محاطاً بالحرس والمقرّبين، يقرأ من ورقة أمامه ويتحدث عبر الميكروفون بصوت طبيعي كما سُجّل في اللحظة نفسها. إلى جانبه يظهر الملك سلمان -حفظه الله- حينما كان طفلاً. بعدها تنحرف الكاميرا بانسياب على صفوف الرجال الجالسين في الساحة وهم يستمعون، قبل أن تعود في لقطة تُظهر الملك. إنها افتتاحية تُثبّت إطار الدولة قبل أن يبدأ الحج.
ينتقل بعدها إلى الميناء، حيث تظهر سفينة كبيرة تجتمع على سطحها الأشخاص. نرى الحجاج يصعدون واحداً تلو الآخر، وتُرفع سيارة صغيرة إلى ظهر السفينة بواسطة رافعة، بينما يتكئ آخرون على السور يتابعون المشهد من الأعلى. ينبعث الدخان من المدخنة، وتلوّح أيادٍ من السفينة وأخرى تردّ التلويح من الرصيف. يبحر المركب أخيراً، وفي طريقه نرى الحجاج يتجمعون على السطح ليستمعوا إلى الإمام وهو يخطب فيهم خطبةً قبل الوصول. يرتفع علم مملكة مصر على الصاري، فيما يمرّ الحجاج بلباس الإحرام وهم يرددون التلبية. ثم تظهر أطراف المدينة من بعيد، وتتحول اللقطات إلى قوارب صغيرة تقلّ الحجاج نحو ميناء جدة، حيث تتكدّس القوارب حول الواجهة البحرية والمباني الممتدة على الخط الساحلي. وصولٌ صاخب ومكثّف.
في جدة، تتجوّل الكاميرا بين الشوارع المزدحمة بالناس والقليل من السيارات والعربات. المحال مفتوحة والبائعون يفترشون الطرقات، والبيوت القديمة تقف بمحاذاة مبانٍ جديدة بواجهات حديثة. تغادر حافلة محمّلة بالحجاج عبر بوابة المدينة متجهة نحو الصحراء، فتظهر خلفها قافلة طويلة من الجمال تحمل كبار السن والضعفاء. على الطرق الريفية يمشي الحجاج على الأقدام بينما تمرّ سيارة بجانبهم. تنتقل العدسة بين مركبات وشاحنات صغيرة تحمل الأمتعة، وصولاً إلى حافلات متوقفة عند بيت صغير، وحجاج يصلّون في ساحته. ثم تعود القوافل لتملأ المشهد: نياق تتحرك عبر الصحراء، رجالٌ فوقها، ووجوه تتصبّب عرقاً تحت شمس الطريق.
يظهر مشهد شاحنة تعبر بوابة مقوّسة نحو مكة المكرمة، وعلى سطحها أمتعة مكدّسة، بينما يركض طفل خلفها بمحاذاة الكاميرا. بعدها ترتفع الصورة إلى زاوية عالية تطل على المسجد الحرام كما كان قبل توسعات القرن الأخير: بيوت متلاصقة تحيط بالساحة، وحجاج يطوفون حول الكعبة بانسيابية هادئة. تتنقل الكاميرا بين الطائفين وبين الممرات الداخلية، حيث يتحرك الناس بين أروقة المسجد والساحة الخارجية.
تتوالى اللقطات لمشاهد رمي الجمرات، حيث يحتشد الناس في مجموعات كبيرة يؤدّون الشعيرة. يعود الفيلم إلى الحرم حيث تستمر حركة الطواف، ثم إلى شوارع مكة القديمة حيث تُحلق رؤوس الحجاج في الهواء الطلق، في مشاهد يومية بسيطة لكنها محمّلة بالرمزية.
في منى، تمتد الخيام البيضاء على امتداد الوادي، ويظهر مسجد صغير يعلوه مئذنة بارزة، وبالقرب منه قطيع غنم يرعى عند الحافة. تتحرك الطيور في السماء بينما تتنقّل الكاميرا بين مجموعات من الحجاج يستريحون أو يتنقّلون بين الخيام. المكان يبدو كمشهد ثابت من عالم آخر، قبل أن يتحول الوادي إلى البنية الحالية.
يعود الفيلم إلى مكة، لكن هذه المرة بوجود الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- وبجانبه الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة -رحمه الله- وبعض من أفراد الأسرة و رجال الدولة داخل الحرم. يجلس الحجاج على الأرض قرب جدار صغير بينما يعبر الملك وسط الحشود وخلفه حرّاسه. تقترب الكاميرا منه وهو يطوف، ثم توثّق لحظة مهيبة حين يقبّل الحجر الأسود، قبل أن يبتعد وسط تزاحم الناس. تتكرر لقطات الطواف وتوزيع الماء وعودة الملك إلى خارج الساحة.
في الطريق إلى عرفة، نرى مخيماً واسعاً تمتلئ أطرافه بالجمال والعربات والسيارات. تتحرك قوافل الحجاج، يحملون مظلات سوداء فوق لباس الإحرام الأبيض. يعود مشهد الخيام في منى لكن هذه المرة قبل الانتقال إلى جبل عرفة، حيث يظهر العمود الأبيض على قمته والحشود تتجمع حول سفحه. مائم سقاة الماء يتنقّلون بالجِرار، والجنود يصطفّون بنادقهم إلى جانب الخيام. ثم يعلو المشهد بالدعاء الجماعي، والوجوه المرفوعة نحو السماء.
تلتقط الكاميرا شوارع مكتظة يصطفّ فيها الناس لمشاهدة مواكب رسمية: رجال دين ووجهاء يمرّون وسط صفوف الحجاج، ثم حرس يرتدون أبيض مع أحزمة وذخائر، يليهم رجال القبائل ينشدون ويلعبون بالسيوف. يظهر الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- محاطاً بمظلّة سوداء فوق رأسه، يتابع العرض العسكري والطبول والمواكب التي تتقدم عبر الطريق المزدحم. هذه فعلاً من أجمل المشاهد في هذا الفلم، حيث يظهر اللعب بوضوح.
تقل العدسة إلى شوارع مكة المكرمة نفسها: حركة يومية، وقباب، ومنازل ممتدة ثم انحدار تدريجي يكشف المسجد الحرام والكعبة من الأعلى. مشاهدٌ تجعل المدينة تبدو أقرب، أصغر، وأكثر حميمية.
مشاهد من مكة المكرمة - نرى فندق الحجاز ومشاهد من أنحاء المدينة. وبعدها نرى توزيعات أموال الصدقات وغيرها ٠ مشاهد جداً مثيرة للاهتمام. ونسمع أيضاً أذان المسجد، ونرى اصطفاف الجنود ووصول الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- لصلاة الجمعة. هذه المشاهد جداً خلابة وتحبس الأنفاس.
نختتم في المدينة المنوّرة: مآذن، قباب، بنية معمارية هادئة، وشوارع مليئة بالناس. تظهر لافتة على مبنى، ثم ساحة ماء عامة يتوضأ فيها الناس. أسواق ممتدة، بسطات خشبية، ازدحام مركزي حول المسجد النبوي. يدخل المشهد باحة المسجد حيث يجلس الناس ويرتاحون. ثم تنسحب الكاميرا من المدينة إلى الطريق الصحراوي البعيد…
ما تكشفه هذه المقاطع ليس الحج وحده، بل المسافة الهائلة بين ما كان وما صار. فالمشاهد التي نراها هنا: طرق ترابية، خيام بسيطة، قوافل تتحرك ببطء، تبدو اليوم بعيدة جداً عن التجربة المعاصرة. وهذا من فضل الله ثم من عمل الدولة التي خدمت الحرمين الشريفين من خلال عمليات التطوير.
لكن الحقيقة هي أن قيمة هذه اللقطات تتجاوز المقارنة بين الماضي والحاضر. فهي تفتح أسئلة أعمق: كيف تغيّر حركة البشر؟ ما معنى الوصول هنا؟ وكيف تحوّل الحج من حركة بشرية خام إلى منظومة ضخمة تستوعب الملايين؟
فالصورة لا تحكي فقط عن زمن مضى، بل عن زمن لم يكن يتخيّل ما سيأتي.
وتكشف هذه المقاطع أيضاً أن هذا النوع من التوثيق موجود بالفعل لكنه مبعثر، موزّع في أرشيفات عالمية قد لا يعرف أحد عنها. كل مشهد يظهر اليوم يذكّر بأن تاريخنا البصري لم يختفِ، بل يحتاج إلى من يبحث عنه ويعيد تجميعه.
ما رأيكم؟ كيف تقرأون هذه اللقطات؟ وما الذي يمكن أن نتعلّمه من تفاصيلها، ومن صمتها، ومن الطريقة التي كانت تتحرك بها المدن والناس في ذلك الزمن؟



هذا الفيلم التسجيلي محفوظ لدى بعض المؤسسات الرسمية والإعلامية مثل دارة الملك عبدالعزيز وهيئة الإذاعة والتلفزيون (عرض في موسم الحج على قناة ذكريات بتعليق من أحد الإذاعيين) وشبكة روتانا (ضمن مكتبتها التي تضم بعض الأفلام المبكرة)، وعرض بهذا الشكل سابقًا على قناة اقرأ مع فيلم تسجيلي آخر لرحلة أخرى للرئيس محمد نجيب.